الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٢١الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
كان أبو القاسم من علماء الطبقة السابعة (يعني النصف الأول من القرن الرابع) في أواخر عهد الدولة العبيدية، وفي عهد أعظم ملوكها المعز لدين الله الفاطمي، وكان أعظم شخصية إباضية في ذلك العصر تلتف حوله الجموع، ويستجيب له الناس، ويترلونه منزلة الإمام، وكان موطنه كما أسلفت نقطة ارتكاز يتوسط الأماكن العامرة بالإباضية، وكان كثير من الناس يعتقد أنه يعمل للقضاء على الدولة الفاطمية وتكوين إمامة عادلة، وهذا ما كان يشيعه ويخشاه رجال الدولة الفاطمية، ويحذر منه أتباعهم، ويرفعون فيه الوشايات إلى المعز لدين الله، وعندما أكثر الناس الحديث عن أبي القاسم ومطامحه في مجلس المعز اشتاق أن
يراه،
كل
فبعث إليه وحادثه وناقشه في كثير من الأمور، وعقد له مجالس المناظرة، فأعجب به الإعجاب، حتى قال فيه كلمته المشهورة لَمّا سئل عنه وعن زميله أبي خزر وأبي نوح: "أبو
القاسم لم تلد العرب مثله، وأبو خزر عالم ورع، وأبو نوح فتى مجادل"، وكان المعز يطلب من أبي القاسم أن يحضر مجالسه ويستثيره ويحترمه ويأخذ برأيه، وبلغ عنده متزلة كبرى لا يرد له طلبا، حتى إن أبا تميم غضب مرة على أهل الحامة، فبعث فرقة من الجيش لإنزال العقاب بها، وزود الفرقة برايته الحمراء التي يسميها راية السخط، دلالة على الغضب وإرادة الانتقام، فسمع أبو القاسم بذلك، فجاء إلى المعز، وطلب منه أن يرجع عن عزمه ذلك، فاستجاب الملك الكبير لطلب العالم الكبير، وسلم إليه الراية البيضاء التي تدل على الرضا، وقال له: "الحق بالجيش قبل أن يصل إلى البلد فينفذ الأمر"، وأخذ أبو القاسم الراية ولحق بالجند قبل أن يصلوا إلى الحامة بمسافة قريبة فسلم إليهم الراية البيضاء، وبلغهم أوامر الملك بالعدول عما عزم عليه، ورجع الجند بعد أن كادوا ينزلون بالناس الأبرياء ألوانا من العذاب، وكان أبو القاسم يظهر في مجلس المعز بمظهر الْمُؤْمِن المعتز بإيمانه القوي في شخصيته لا يتملقه ولا يتصاغر، له ولا يخاطبه بغير ما يخاطب به المسلمين، ولذلك فقد كان المعز يحترمه، وكان الحواشي والأتباع لا
الفرد العادي من يستطيعون أن ينطقوا بحضوره، فإذا غاب سلقوه بألسنة حداد.