الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٢٢

الأباضية في موكب التاريخ

520

الأباضية في تونس

كان يوما في مجلس المعز، وطلب منه أن يريه سيف رسول الله هذا الفقار، وكبر على المعز أن يرد طلب أبا القاسم، فقام وأحضر السيف الكريم وسلمه لأبي القاسم، فقلبه بين يديه، ثم سله من غمده وهزه، ثم أعاده في غمده، وأرجعه إلى صاحبه، قال المعز: "لم آمنه على نفسي حين سل السيف حتى أرجعه إليَّ". قال أبو إسحاق اطفيش - رحمه الله وله -: "ولكن وزراء المعز كانوا يحفظونه على أبي القاسم، حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم مكانته لدى ملكهم، وتقديمه عليهم، فاتهموه بمحاولة الاستقلال عن المعز، وما أشد هؤلاء الظلمة إنصاتا للحواشي في هذا الباب، وما أسرعهم شكا في صدق المخلص البريء مع ما رأوا من جلال الرجل ومكانته، فقد لفقوا عليه تهمة الاستقلال ودبروا له مكيدة الانفصال مملكة المعز عن بقومه، وله من القوة والنفوذ ما يبلغه ذلك لو شاء، حتى تخوف المعز من أبي القاسم، وعمرت نفسه بذلك، فكتب إلى عامله بالحامة يأمره بقتل أبي القاسم اغتيالا". وتقول كتب التاريخ أن عامل المعز على الحامة كان من أصدقاء أبي القاسم، والمعجبين به، وكان يرى أن قتل مثل هذا الرجل العظيم خسارة، ولذلك فقد حاول أن يجد له سبيلا إلى النجاة، فاقترح عليه أن يحج فلم يوافق أبو القاسم، وقال له: "لقد حججت"، فقال العامل: "إنكم معشر الإباضية تكثرون من الحج"، فقال أبو القاسم: "ليس الله عليّ أن أحج مرتين"، فاقترح عليه أن يقوم بجولة لزيارة الإخوان في جبل نفوسة فلم يوافق، فاقترح عليه أن يقوم بجولة لزيارة الإخوان في وارجلان فأصر أبو القاسم على البقاء، وقال له: "لا أخرج وأنا " لقد بذل العامل ما في وسعه ليجد سبيلا ينجو به أبو القاسم من القتل، أو أن يقتل على يد غير يده، ولكن أبا القاسم الذي فهم ما يريده العامل الصديق، لم يرد أن يفر، فهو رجل لم يرتكب إثما، ولم يقم بأي عمل يستحق عليه غضب السلطان، فإذا شاء هذا السلطان أن يلطخ يديه بدم بريء فما أحوج أبا القاسم إلى الشهادة، وحين تحقق العامل أن أبا القاسم مصر على البقاء مهما كانت الظروف، وأنه لا يريد أن يخرج من بلده ليعيش عيشة اللاجئين أراد أن يبدي له عذره في موقفه الذي سيقفه منه، فأراه ثلاث رسائل

حي

،

من السلطان يأمره فيها بقتله، وفي الأخيرة منها يقول له: "إما رأس أبي القاسم وإما رأسك".