الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٢٣

الأباضية في موكب التاريخ

521

الأباضية في تونس

عرف أبو القاسم أن هذه الساعة هي آخر ما بقي له في الحياة، فطلب إلى العامل أن يمهله أعماله المجيدة بأفضل ما يتقرب به الْمُؤْمِن إلى ربه

مقدار ما يصلي ركعتين، وبعد أن

ختم

الجهات

استعد للحصول على الشهادة، وتوارى العامل حين دخل الجند لتنفيذ أوامر السلطان، فاستقبلهم أبو القاسم استقبال الأعزل الشجاع، واستطاع أن يتغلب على الدفعة الأولى ويستخلص منهم، سلاحا ووقعت بينه وبينهم معركة حامية سقط فيها عدد من القتلى والجرحى، ثم تغلبت الكثرة، واستشهد أبو القاسم في دار العامل -رحمه الله ورضي عنه. وكان السلطان يعرف أن هذه الحادثة لا يُمكن أن تذهب دون أن يكون لها آثارا، وكان يعتقد أن العلامة أبا مُحمَّد ويسلان تلميذ أبي القاسم - هو الشخصية التي سوف تتحرك، وتقود الجماهير، فألقى عليه القبض وأودعه السجن. وبلغ مقتل أبي القاسم مبلغا كبيرا في نفوس جَميع الذين يعرفونه من الإباضية وغيرهم، ولذلك فما سمع الناس به حتى تحركوا للثورة. وقامت ثورة واسعة النطاق، وهددت دولة السلطان الظالم، وكادت تقوض أركانها، وخشي هو عاقبة عمله فكان يرسل إلى القائمين بالثورة يتنازل لهم عن بعض البلاد ليقيموا بها دولة ولكن الثائرين الذين كان يقودهم أبو خزر لم يكونوا طلاب دولة، أو راغبين في الوصول إلى الحكم، ولكنهم كانوا يريدون أن يقف هذا الظلم عن الناس، وأن يتذكر السلطان أنه حين منح الحكم إنَّما أخذه بأمانة الله، وحقه على أن الناس، وأن يحفظ منهم، ولهم ما حفظته الشريعة القويمة، وكأنما كانت هذه الثورة التي قادها أبو خزر بسبب مقتل أبي القاسم، واعتقال أبي مُحمَّد بداية تجرأ بها الناس على السلطان الواسع النفوذ، فتبعتها ثورات متلاحقات بمختلف المقاصد والنوايا، حتى قضت على الدولة التي لم يحترم سلاطينها حقوق الناس، ولم يُحافظوا على أحكام الله. كان أبو القاسم غنيا ذا مال كثير، وكان ينفق إنفاق من يغرف من بحر، حتى ذهب العذال إلى أبيه يقولون له إن ابنك هذا لا شك، مجنون، فهو يعلّم ويطعم، ويعطي فوق ذلك من أمواله الشيء الكثير، إنه لم يكتف بأن يعلم مجانا، لا يتقاضى عن مجهوده العملي شيئا، حتى

يرعى حقوق

كان