الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٢٤

الأباضية في موكب التاريخ

522

الأباضية في تونس

مختلف الجهات.

ينفق على طلابه ما يحتاجون إليه من غذاء وكساء، ثم هو لا يقتصر على هذا المجهود العظيم في التعليم والإطعام، حتى يبذل لَهُم ولغيرهم من المحتاجين ما يرومون من أموال، ولقد كان أبو القاسم بمنزلة الإمام للإباضية، وكانت مدارسه عامرة بمجموع من الطلبة من بعد أن أتم دراسته واستعد للحياة التي يحياها الناس، وأخذ من العلم ما يفتح أمامه آفاق المعرفة، فكر في الزواج، وبحث عن امرأة تجمع بين الخصال التي يطلبها أمثاله من خلق ودين وعلم، فوجدها في فتاة من أسرة كريمة كانت تسمى "الغاية"، لَها من الجمال والخلق والدين والعلم ما يرشحها لأن تكون زوجة له فخطبها من أهلها وزفت إليه فكانت في بيته مرجعا للمؤمنات، ومرشدة هادية للفتيات وقدوة صالحة للمقتديات الصالحات وعندما توفي أبو القاسم بقيت الغاية مقصدا لطلاب العلم والدين والخلق القويم، وكان العلماء والمشايخ يزورونها، ويستشيرونها، ويستفتونها، ويرجعون في كثير من الأحيان إلى رأيها، وكثيرا ما يلجأ إليها عالم من كبار العلماء في معضلات علم الفقه، أو علم الكلام فيقول لها: "ماذا كان رأي أبي القاسم، أو ماذا حفظت عن أبي القاسم في كذا وكذا؟! " فتجيبه بما حفظت عن زوجها. كان أبو القاسم يُحدث طلابه يوما، ويُحرضهم على الدراسة، وينصحهم بالابتعاد عن كل ما يشغلهم عن التعليم، فقال لَهُم لأن" يبلغني موت الطالب خير من أن يبلغني تزوجه"، وكانت الغاية تستمع إليه من وراء ستار، فقالت له: "لماذا تزوجت إذن؟ "، فقال لها: "لو علمت مسألة ليست عندي لشددت إليها الرحال" يعني وتركتك أيتها الزوجة المحبوبة. أنه يبدو تزوج من الغاية بعد سنة من بلوغها فكانت تحضر دروسه من وراء ستار، وسمعته يقول لطلابه: "إن" من يقرأ سرا في صلاته ولا يحرك شفتيه فإن صلاته باطلة"، فأعادت صلاة السنة كاملة؛ لأنها كانت تكيف ولا تحرك شفتيها في قراءة السر.

معضلة

من

هذه جوانب من حياة هذا الإمام العظيم أضعها بين يدي القارئ الكريم، دون تنسيق أو ترتيب، ليراها على وجهها الطبيعي الذي كانت عليه فإن كل ما أريد أن أعرضه إنَّما هو صور من حياة الأمة المسلمة، المتمثلة في حياة الأفراد أو الجماعات.

***