الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٢٦

الأباضية في موكب التاريخ

524

الأباضية في تونس

وذلك بأن يتخلى له عن مواطن الإباضية من بلاد الجريد، وجبال "دمر"، و"جربة"، وهم أبو خزر أن يقبل هذا الصلح ويوافق عليه، ولكن المتحمسين ممَّن كان معه لم يرضهم ذلك، إنَّهم يريدون القضاء على الدولة العبيدية التي ارتكبت فيهم أقبح أنواع الظلم، ولكي لا يتركوا مجالا للصلح بدأوا المناوشات الحربية، وهجم أهل وارجلان ومن معهم قبل أن تنتظم الصفوف وتتوحد القيادة، ووجدها المعز فرصة ذهبية لإخماد هذه الثورة، فقد استطاع أن يغري بعض القادة بالرشاوي، وأن يوجه ضربة قاسية إلى مبدأ الثورة، فأثخن في القتل، وتفرقت الجموع التي كانت تتهيأ للثورة، وطارد المعز أنصار الثورة في كل مكان فتنكر أبو نوح في ثياب راعي إبل، حتى وقعت عليه أعين الجند، فحملوه إلى السلطان، وهرب أبو خزر إلى المعقل الحصين جبل نفوسة، فبقي فيه إلى أن أرسل إليه المعز بالأمان فقدم عليه.

أخذ أبو خزر العلم عن العلامة الكبير أبي الربيع سليمان بن زرقون، وكانت تربطه بالإمام أبي القاسم أمتن روابط الصداقة والمحبة والإعجاب وقد كان يقتدي به في سلوكه وأخلاقه، ويساعده في أعماله وينوب عنه في أداء واجباته، ويرافقه في دراسته الطويلة، وبلغ في العلم والزهد مرتبة شهد له بها جميع الناس، حتى قال عنه المعز لدين الله الفاطمي: "إنه رجل علم وورع". كان أبو القاسم يقوم عند الإباضية مقام الإمام، يتولى فصل المشاكل، وفض المنازعات، والرشاد إلى أقوم الطرق والإشراف على مصالح الناس الاجتماعية والصلاة بهم، فإذا غاب قام أبو خزر بتلك المهمات، فهو له بمثابة الوزير. وقد ذكر المؤرخون أن أبا القاسم تأخر عن حضور الصلاة في المسجد في يوم من الأيام فأقيمت الصلاة، وتقدم أبو خزر ليؤم الناس، فأحس بحضور أبي القاسم، فتأخر وترك له المحراب والإمامة. قلت في أول الفصل أن أبا خزر دعا إلى الثورة حين قتل أبو القاسم، واستجاب له الناس، وبايعوه إمام دفاع، ولكن هذه الثورة فشلت بسبب التسرع، فهرب أبو خزر إلى جبل نفوسة واعتصم به، وحاول المعز لدين الله الفاطمي أن يصل إليه فلم يستطع، وكان الرجل يخشى أن يستعد أبو خزر من جديد، وينظم صفوفه، وأن يجعل مركز انطلاقه ذلك الجبل الأشم الحصين، وكان حريا أن ينجح في ثورته لو فعل ذلك، ولذلك فقد كان مشغولا بهذا الأمر، ولَمَّا لَم