الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٢٧

الأباضية في موكب التاريخ

525

الأباضية في تونس

يستطع أن يصل إليه بطريق القوة، فكر في طريقة أخرى أقرب إلى تحقيق ما يريد من الحيلولة دون

قيام ثورة إباضية أخرى؛ تنبعث من مكان حصين برجاله وجباله يقول أبو إسحاق اطفيش -

-

رحمه الله ورضي عنه -: "فالتجأ إلى جبل نفوسة فظل فيه معتصما من الْمُعِزّ، حتى أرسل إليه وإلى

كل القبائل التي كانت معه بعهد الأمان، فطلبه إليه، فقدم عليه، فأكرم وفادته". المعز لدين الله الفاطمي أنه أخطأ في قتله أبا القاسم وإن هذه الثورة التي كان في

من

لقد علم

غنى عنها إِنَّمَا قامت بسبب ذلك الخطأ، ولذلك فقد غير سياسة العنف إلى سياسة اللين، فأطلق سراح أبي محمد ويسلان وعفا عن أبي نوح، وأعلن الأمان والعفو عن أبي خزر وجميع أتباعه في كل مواطنهم وهدأ الناس وألقوا بالسلاح واطمأن أبو خزر فرجع إلى موطنه الحامة، ودعاه إليه المعز أبو تميم، وأكرم وفادته وأظهر احترامه ورفعه فوق مرتبة من كان يحضره العلماء، لقد كان المعز يخشى أبا خزر إن قتله أو أطلقه ولذلك فقد أراد أن يقيده بالإحسان، وكان يعلم أن فشل الثورة السابقة إِنَّمَا كان صدفة بسبب التسرع، وكان السلطان الكبير ينوي الانتقال إلى القاهرة ويعد نفسه لذلك، وكان يعلم أنه إذا بقي أمثال أبي خزر، وأرادوا قلب نظام الحكم من بعده فإن ذلك سوف يكون شيئا يسيرا عليهم، في غياب السلطان وأكثر رجال الدولة، ولذلك فعندما عزم على الرحيل دعا إليه الإمامين أبا خزر وأبا نوح، وأخبرهما أنه متنقل إلى مصر ليتخذ القاهرة مقرا للحكم، وأنه في مسيره هذا لا غنى له عن كبار العلماء، ليجل بهم مجلسه، ويرجع إليهم في مشاكله وشوراه ويدفع بهم سورة الجدال والمناظرة، فوافق أبو خزر، أما أبو نوح فتمارض عندما بدأ السلطان بالرحيل، واكتفى المعز بأبي خزر، فإنه الرجل التي تحتل شخصيته أكبر مقام في البلاد، وتسمع كلمته دون مراجعة، وإن الناس لا يقدمون بأي خلاف على الحكومة في غيابه؛ لأنهم يعرفون أنه ما أخذ إلا رهينة، فلو قام أتباعه بشيء لوصل إليه الأذى حتى وهو في ديار الغربة.

وأمن المعز جانب الإباضية بعد موافقة أبي خزر على الرحيل، ودخل أبو خزر فعلا إلى مصر، وعاش هنالك عيشة رغد وهناء، وكان يتمنى من حين إلى حين لو أتيح له عدد من الطلبة الأذكياء؛

ليعلمهم، ويربيهم، وينفق عليهم ممَّا أتاه الله، ولكني أحسب أن هذه الأمنية لم تتحقق له.