الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٢٨

الأباضية في موكب التاريخ

526

الأباضية في تونس

أما السلطان الذي كان يخشى على ملكه في إفريقية، وكان يفكر للمحافظة عليه الليالي الطوال، ويعمل لترسيخ دعائمه بكل الوسائل؛ حتى كان يوصي خليفته على إفريقية وهو يودعه أغرب وصية يوصي بها مسلم يتولى الحكم باسم الإسلام، فقد كان يقول لخليفته على إفريقية بلكين بن زيري الصنهاجي: "لا ترفع السيف عن البربر، ولا ترفع الجباية عن أهل البادية، ولا تول أحدا من أهل بيتك"، والله وحده يعلم ما هو الجواب الذي أعده المعز ليوم الحساب حين يسأل بماذا استحل دماء البربر وأموال أهل البادية أما السلطان فقد شاءت إرادة الله أن لا يبقى ملك دولتهم بعدهم إلا قليلا، ثم يقلبه عليهم من وثقوا به، وسلموه إليه، فنقض المعز بن باديس بيعتهم، وألحق دولته بالدولة العباسية بالعراق، والملك الله وحده.

أبو الخطاب وسيل بن سنتين

قمة من قمم العلم الشامخة وطود من أطواد الإيمان الراسخة، يسكن "ريصوا"، ولكنه كان ينتقل في الجنوب التونسي من بلد إلى بلد، يدعو إلى المحافظة على دين الله ودعوة الْمُؤمِنين المخلصين، ينفي عنه عبث الجاهلين، ويحارب بدع المبتدعين، ويرد كيد الضالين، ويحكم بما أنزل الله على المتخاصمين، إنه أحد أولئك العمالقة العظام الذين يكافحون في سبيل الله بكل الوسائل التي وضعتها إرادة الله في يديه، يأمر بالمعروف، وينهى المنكر، ويبين سبل الهداية، ويلقي الدروس، ويُجيب عن الفتوى، ويدعو إلى الاستمساك بحبل الله المتين، ولكنه كان في دعوته، وفي أمره ونهيه، وفي دروسه وتوجيهاته، وفي جميع مواقفه لين الجانب، سهل الخلق، يتحمل ويتجمل، ويرد بسهولة ويسر على من ينتقده بغير حق، ويذعن ويستجيب لمن ينتقده بحق، ويُحاول أن يرد إلى الصواب بحياء ورفق من يعترض أحكام الله، وينحرف عن سبيل الْمُؤمِنين، ويقصر نقده على مواضيع النقد، ولا

عن

يتجاوزها إلى الجوانب الشخصية .. يتقبل العتاب ويفرح له.