الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٢٩

الأباضية في موكب التاريخ

527

الأباضية في تونس

كان مستقرا في "ريصوا"، وفي هذا البلد الصغير كان عدة من الطوائف الإسلامية، فاجتمعت تلك الطوائف على أن تتولى كل فرقة منها شأنا من الشؤون الدينية، أو الاجتماعية، فأسند إلى بعضها الفتوى وأسند إلى بعضها إمامة الصلاة، وأسند إلى البعض الآخر الأذان في المساجد أما الإباضية فقد أسند إليهم القضاء والأحكام، وكان أبو الخطاب هو الذي يتولى ذلك على جميع الفرق، وكانت تلك الفرق تعيش في انسجام ووئام. وكانت "ريصوا" كبقية الجنوب التونسي تابعة للدولة الرستمية، وحين انحرف اليقظان عن سبيل المؤمنين، وخالف السيرة التي سار عليها أسلافه في الدولة الرستمية، فخولت له نفسه أن يتوصل إلى مركز الحكم بالطرق التي يتبعها الظالمون، فعمل على اغتيال الإمام ليقوم هو مقامه، سخط عليه الناس، وحكم عليه المسلمون بالبراءة، وانتقدوه في كل مجمع،

وتجنبوه وتجنبوا مساعدته، والعمل تحت حكمه، ودعا كثير منهم إلى الاقتصاص منه. أما أبو الخطاب فرغم أنه يوافق الأمة على النقمة من اليقظان والحكم بالبراءة منه، إلا أنه كان لا يريد الخروج عليه، ولا يدعو إلى الثورة، بل كان يُحاول أن يهدئ الناس، وأن يروضهم على الطاعة، وأن يجمع كلمتهم، ويوحد صفهم؛ لأنه كان يرى كما يرى كثير من علماء الأمة أن الحكم القائم وإن كان ظالما أهون من الفتنة والحرب، ولذلك فقد كان يلتزم ببيعة اليقظان، آملا أن يتصلح اليقظان، أو أن يتغير الحكم تغيرا طبيعيا، فيؤول إلى إمام يقوم بأمر الله، وتضافرت الأسباب الداخلية والخارجية على اليقظان قادت إلى قتله، وإلى انقراض الدولة الرستمية، ووقع ما كان يخشاه أبو الخطاب ويحذر منه. استولت الدولة الفاطمية على أكثر الجهات التي كانت تابعة للدولة الرستمية، كما أنها استولت على مملكة الأغالبة، وفرضت الضرائب غير العادلة على الناس، فكان أبو الخطاب يجمع المقادير المفروضة من الناس، ويسلمها لأعوان الحكومة الظالمة، فبعث إليه علماء

جبل نفوسة ينتقدون عليه عدة أمور، ويطلبون منه إيضاح موقفه منها:

1 - التزامه لأمر اليقظان.

تغريمه للأرامل واليتامى.