الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٣٠الأباضية في موكب التاريخ
528
الأباضية في تونس
ولما بلغ ما يطلب منه إخوانه من جبل نفوسة بكي، وقال: "الحمد لله الذي جعل لي إخوانا يعاتبونني على ما بلغهم من التقصير قبل يوم القيامة"، ثم أوضح لَهُم موقفه ووجهة نظره، فأبان أن تغريمه للأرامل واليتامى، وجمعه الأموال من الضعفاء والفقراء، وتقديمه لأعوان الدولة الظالمة إنَّما هو مداراة عليهم، ودفع للأذى عنهم، ورد لما يرتكبه الظالمون مع من لا يبادر إلى إحضار ما يفرض عليه من الضرائب فهو بجمعه للأموال من الناس وتقديمه إلى أعوان الدولة إنَّما يوفر عليهم العنت والإهانة والتعضيب، والمبالغة في العقوبة، وكأنه في ذلك يستند إلى القاعدة العامة التي وضعها بعض علماء الإسلام استنادا إلى الشريعة السمحة: على العالم أن ينظر للجاهل ويتحرى له مصلحته في الدنيا والآخرة". أما في التزامه الأمر لليقظان فقد قال لهم: " والتزامي الأمر لليقظان إِنَّمَا التزمه احتسابا الله لا لليقظان"، فهو لم يكن ينظر إلى شخص اليقظان، وَإِنَّمَا كان ينظر إلى الأمة ويشفق عليها، وهو في ذلك يذهب مذهب كثير من علماء الإسلام الذين عاشوا في ظلال الدول الظالمة، وأذعنوا للسلاطين الجورة، خوفا من الفتنة وطلبا للسلام، وحقنا للدماء. ويبدو لي أن أبا الخطاب حسبما يفهم من سلوكه ومن لينه وحيائه، وعشرته لمن ينقم عليه، وتعامله مع من يحكم عليه بالبراءة أنه كان يقدر وحدة الأمة المسلمة أكثر من أي شيء، فهو حريص أن تبقى الأمة في سلام، لا ترتفع فيها دعوة إلى ثورة، ولا صيحة إلى تفرقة؛ لأن الاختلاف والافتراق يؤدي بالأمة إلى حالة أشنع من الحالة التي هم عليها، فإن الحاكم الظالم قد يُمكن إصلاحه حين تستقر الأمور وتهدأ، أما انشقاق الأمة وإراقة الدماء بينها فإنَّها تؤدي لا محالة إلى القضاء عليها. ولعل الحوادث التي وقعت بعد وصول اليقظان إلى الحكم، واختلاف الناس عليه ثم قتله، أثبتت مقدار بعد نظر أبي الخطاب في هذه القضية، فقد جاء أبو عبيد الله الحجاني الشيعي فوجد اليقظان مجفوا مبغوضا فقتله، ووجد الدولة الرستمية لقمة سائغة فازدردها، ثم ارتكب من الفواحش ما كان يشفق منه نه أبو الخطاب، فقتل دون حساب، وانتهك الحرمات