الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٤

العلي

الإباضية في موكب التاريخ

52

نشأة المذهب الإباضـ

وأمثال هذه الحوادث لا يمكن أن يدعي أحد من الباحثين أنها نواة لتكون المذاهب، أو أَنَّهَا مخالفة لرسول الله، وَكُل ما يقال فيها أنها مناقشة لزيادة الاطمئنان، كما سأل الخليل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى. وَلَمَّا توفي رسول الله، وتولى الخلافة أبو بكر ثُمَّ عمر، كانت خلافتها امتدادًا لعص النبوة، لولا الوحشة التي أعقبتها وفاة رسول وانقطاع الوحي في نفوس المسلمين الله واجتماعاتهم. أما في غير هذا، فقد استمرت كلمة المسلمين واحدة إلا فيما يحدث عندما

تناقش مسألة تختلف فيها الأنظار، حتّى يذكر أحد من الصحابة فيها علما عن رسول الله فينقطع الجدل، ويموت الصخب أو تتوافق الأكثرية على حكم فتستجيب الأقلية، ويقع الإجماع كما وقع في البيعة لأبي بكر، ويستمر المسلمون في كفاحهم للطغيان، ونشرهم لدين الله وجهادهم في سبيله، لا يجدون وقتا للدعة، ولا فراغا للراحة. وعندما تستجد حوادث، أو نع أمور تحتاج إلى حكم، يتولى ذلك أولوا الأمر والعلم من المسلمين الذين كانوا مستعدين ذا كُلّ الاستعداد، يبحثون عن الأصول في كتاب الله، فإن لم يجدوا ففي سنة رسول الله، فإن لم يجدوا ففي إجماع المسلمين، فإن لم يجدوا قاسوها على أشباهها ونظائرها، مما وقع فيه حكم مستمد من الأصول السابقة.

وامتد الزمن، وانتشر الإسلام في أكثر بقاع الأرض، ونقص عدد الصحابة الذين عاشوا في عصر النبوة، وشهدوا مُحَمَّدًا، وشاهدوا نزول الوحي، ودخل الإسلام ناس لا يعرفون اللغة العربية، ولا يفهمون مقاصد الشريعة الإسلامية كما يفهمها الصحابة الأولون، فكان لزاما أن يفسر لهم القرآن الكريم، وأن يشرح لهم الحديث الشريف، وأن توضح لهم مقاصد الشريعة الإسلامية، ومن هذه الدروس ومن الأسئلة والمناقشات التي ترد على ألسنة المسلمين

الجدد هؤلاء المسلمين الذين لم يشهدوا نزول الوحي، ولم يروا شخصية الرسول القوية التي تقنع بجلال الرسالة بدأ تكون المذاهب.

000