الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٣١

الأباضية في موكب التاريخ

529

الأباضية في تونس

دون حياء، وكان من أفظع الجرائم الإنسانية التي ارتكبها إحراقه للمكتبة الكبرى

انجه

الله.

"المعصومة"، التي كانت تحوي آلافا من المجلدات، ولا حول ولا قوة إلا بالله. كان أبو الخطاب ذكيا، وكان عالما بالشريعة الإسلامية، وكان يفهم أسرارها فهم الفقيه المحقق الذي لا يقف عند أقوال الفقهاء، وَإِنَّمَا يتغلغل إلى أسرار الشريعة في مصادرها الثابتة من الكتاب والسنة والاجماع. جاءه يوما غني من بني يهراسن يخبره أن له أخا فقيرا ممن لا يتصف بالورع، ولا يتجمل بالتقوى، وسأله هل يجوز له أن يعطيه زكاة ماله؟. ولو كان المفتي غير أبي الخطاب لأجاب دون إبطاء: أنه يشترط فيمن تعطى له الزكاة الوفاء بدين ولكن أبا الخطاب لَم يَجِب بهذا الجواب، وَإِنَّمَا طلب من الغني أن يُحضر إليه أخاه، فلما إليه أبو الخطاب، وقال له في لهجة قوية: "تب إلى الله! "، واستجاب الفقير دون تردد، فقال: "تبت إلى الله"، فالتفت أبو الخطاب إلى الغني وقال له: "أعطه زكاتك"، ثم اتَّجَه إلى الفقير وقال له: لقد ألبسناك ثوبا هو لباس التقوى، فإن تعريت منه فلا قتلك إلا الجوع"، والكلمات الأخيرة في نظري هي أهم ما في الموضوع، فلقد عمل أبو الخطاب على استثارة ضمير الرجل الفقير بالدعوة إلى التوبة، فلما استجاب له أكرمه على هذه التوبة بإعطاء الزكاة، فلما تم له ذلك أراد أن يشعره بأنه أصبح يتحلى بجمال روحي، هو جمال التقوى، وإن الإنسان العاقل لا يتجرد مما يكسبه جمالا ومحبة وغنى. ولعله من المناسب أن أختم هذا الفصل بكلمة لإحدى النساء من ذرية أبي الخطاب عبد الأعلى حين توفي أبو الخطاب بن سنتين قالت تلك المرأة: "مات الحق، وبقيتم يا زواغة،

حضر

بطون كالأخرجة، وعمائم كالأبرقة، ونعال سجلماسية، وأحكام متعوجة". حقا إن موت أبي الخطاب قد ترك فراغا، فإن قليلا من الرجال من يملأ ذلك المكان.