الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٣٢

الأباضية في موكب التاريخ

530

الأباضية في تونس

أبو محمد جمال المزاني

قمة شامخة من قمم العلم والكرم، جمع إلى غزارة العلم وفرة المال والجود بهما، قال فيه أبو العباس الشماخي: "وهو من السباق في العلم والعمل والندى"، وهو إلى غزارة علمه، وسعة كرمه، مؤمن من أخلص الْمُؤمِنين عبادة الله، واستمساكا بدينه ودعوة إليه.

وكان عالم اجتماع من أكثر الناس دراسة للمجتمع، ومعرفة بشؤونه، وعملا بما يصلح له ومراعاة لمصلحة الأمة التي تعيش في محنة؛ بسبب ما تعانيه من الحكام الظالمين والولاة؛ الذين لا يهمهم إلا ما يفرضون من ضرائب ويجمعون من أموال ليسترسلوا في عبثهم ولهوهم.

وهو وإن لم يسند إليه الحكم، ولم يتول إمارة، إلا أنه كان يقوم مقام الحكام والأمراء، يفصل المنازعات ويحل المشاكل، ويؤدب من يستحق التأديب، ويدعو إلى الاعتصام بدين الله على بصيرة.

هيأه مركزه الاجتماعي والعلمي إلى أن يكون أعظم شخصية يجتمع على محبته واحترامه وامتثال أوامره والرضا بأحكامه - الموافقون له في المذهب والمخالفون، وكان هو يعمل على إرضائهم في حدود الدين كان يصلي بالجميع، وفيمن يصلي بهم أتباع لبعض المذاهب التي ترى القنوت في الصلاة، فكان يقنت بآي القرآن الكريم، حتى يجمع بين من يرى القنوت ومن لا يراه وكان مع هذه السهولة قويا في دين الله، لا ينفك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أي مكان وأي صورة. مر في بعض أسفاره البعيدة على مدين، ووقف على تاجر قد ازدحم الناس عليه، وهو يكيل لهم ويطفف الكيل، فلطمه أبو محمد، وقال له مذكرا بكتاب الله: وأَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُحْسِرِينَ * وَرَزُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيم). فرفع إليه الرجل رأسه وهو يبتسم ابتسامة صفراء باهتة، وقال له: "فينا والله نزلت يا مغربي".

(1) سورة الشعراء: 182.