الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٣٣

الأباضية في موكب التاريخ

الأباضية في تونس

وكان أبو مُحمَّد يقيم أحيانا بالبادية، وكان إلى جواره رجل غني اليد، فقير القلب، تروح عليه الأنعام وتغدو، ولكن أسرته تعاني من شظف العيش، وبؤس الحياة ما يعانيه الفقراء المعدمون، فرأى أبو مُحمَّد أن إلزام هذا الرجل بالإنفاق أمر بالمعروف، ولكن الرجل غلبه شحه المطاع، فلم يقف أبو مُحمد عند الأمر بالقول، ولكنه انتقل إلى الطريقة العملية التي أجدى في كثير من الأحيان، ولقد يحسن أن أنقل لك هذه الحادثة كما صورها أبو العباس الدرجيني بأسلوبه البليغ الرائع.

هي

قال أبو العباس: وذكر أن أبا مُحمَّد جَمال كان في جواره رجل من أهل البادية في سنة مجاعة، وللرجل صرمة (1)، وقد أضر به الجوع .. وشحه المطاع مانعه أن ينحر منها ناقة فيطفئ شعث نفسه وعياله، فبلغ ذلك أبا مُحمَّد، فجاءه فوجده في خيمة لا حراك له من ألم الجوع، فقام أبو محمد احتسابا في الرجل وفي يديه حربة، فدخل في إبله فعمد إلى ناقة كوماء، لم ير في إبل الرجل أسمن منها، يريد أن ينحرها، فرآه صاحب الإبل، فقال: "لعل غيرها يا أبا محمد"، فأبى إلا تلك التي قصد إليها، فنحرها بحربته، فلما نَحرها قال لَهُم: "قوموا وكلوا"، فلما أصبح أغارت عليهم غارة فاكتسحت إبل الرجل، فلولا أن الله عز وجل لطف بهم ببركة الشيخ لماتوا جوعا، فتبلغوا بشحم تلك الناقة ولحمها، وسدوا فاقتهم". وواضح أن البدوي لم يستفد إلا من الناقة التي نحرها أبو محمد، وهذه الظاهرة الاجتماعية التي تكشف عنها هذه القصة قد تكون من أخلاق الناس مدى الحياة، وليس غريبا أن تجد في هذا العصر ناسا يملكون الإبل بالعشرات، والأغنام بالمئات، ولكنهم مع ذلك لا يحسنون غير تزيين الأرض بتلك القطعان فهم يعيشون عيشة فقر مؤلم، تعيش أسرهم على شظف وشدة، ولا تستفيد منهم الأمة، لا يؤدون حق الله، ولا حق المجتمع، ونحن في حاجة إلى علماء في فهم أبي مُحمَّد، يتولون حمل الناس على أداء الحقوق لأنفسهم ومُجتمعاتهم حتى بالقوة، ولكنهم لا يتجاوزون في ذلك الحدود التي شرعها الله لصيانة أموال

الناس وممتلكاتهم.

(1) الصرمة: هي القطعة من النخل أو الإبل أو السحاب. انظر: المعجم الوسيط، صرم. (المراجع)