الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٣٤الأباضية في موكب التاريخ
532
الأباضية في تونس
كان أبو محمد الكلا بمواشيه مع بعض أحياء، مزاتة وجاءهم جباة الضرائب الذين ينتج يجمعون الأموال دون قانون أو شريعة، وطالبوا بالمقادير المفروضة، ولكن أهل الحي تهاونوا وَلَم يهتموا بهم، فقال الجباة: "إن بتنا ضاعفنا عليكم، وكلما بتنا ضاعفنا الضريبة عليكم، وبقي أهل الحي على عدم اهتمامهم وقلة اكثرائهم حماقة وخرقا لا قدرة وعزا (1)، فجاء أبو محمد إلى جباة الضرائب وقال لَهُم قفوا على ترع الأحياء، ولا تتركوا الماشية تسرح، فإنَّهم سوف يدفعون لكم، ففعلوا، فلما رأى القوم ماشيتهم محبوسة بادروا إلى الدفع، وانصرف عنهم الجباة، فقال قائلون: "إن أبا مُحمَّد أعان الظلمة على المساكين والضعفاء"، فلما بلغه نقدهم لسلوكه قال: "إن الله على العالم أن ينظر للجاهل ويدله على ما فيه سلامة دينه ودنياه".
ليت علماء الأمة جميعا يفهمون هذه القاعدة الهامة ويعملون بها في مختلف العصور والأزمان، فينظرون للجهال ويدلونهم على ما فيه سلامة دينهم ودنياهم، ولست أعني بطيعة الحال حمل الناس على الرضا بالظلم، فإن هذا لا يدعو إليه مؤمن إلا إذا كان مضطرا، كما كان أبو مُحمَّد وقومه، وَإِنَّمَا أريد من العالم أن يدل الجاهل على ما يصلح له فيه دينه ودنياه، من جميع مشاكل الحياة، كان أبو مُحمَّد في دقة الفهم، ومعرفة أسرار الشريعة، والتمييز بين الحقوق في المرتبة التي لا تدانى ويدل على ذلك وسائله في الحكم وإقناع الخصوم، وإلى القارئ الكريم شاهدا على ذلك: أعطى رجل من مزاته مبلغا من المال إلى رجل آخر يتجر فيه، وبينما كان التاجر يدور في الأسواق عثر على كتاب قيم، نادر هو تفسير القرآن الكريم للعلامة هود بن محكم الهواري فاشتراه فسمع به صاحب المال فجاءه، فقال للتاجر: "بل الكتاب لي، ولك رأس ووقع بين الرجلين خلاف حاد، وبلغت بهما اللجاجة حد العصبية، فانتصر لكل واحد منهما قومه وأصدقاؤه، واقترح مقترح أن ترفع المشكلة إلى أبي مُحمَّد جَمال، فطلب من التاجر أن يسلمه الكتاب فأخذه وقسمه نصفين، أعطى لكل واحد منهما نصفا، ثم قال
مالك"،
1) هذا تفسير أبي العباس الدرجيني.