الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٣٦الأباضية في موكب التاريخ
534
الأباضية في تونس
أبو مسور اليهر اسني
أبو مسور يسجا بن يوجين اليهراسني، علم من أعلام العلم والفضل والاستقامة، وجد
أسرة متسلسلة في خدمة دين الله قرونا متتابعة، ولا تزال بقاياها حتى الآن قائمة بأمر الله. بلغ أبو مسور درجة في العلم يقصر عنها الأقران وعمل في حقل الإصلاح الاجتماعي ما يعجز عنه المصلحون، كان الله المادة، رحمه غزير لطيف المعشر، سهل الخلق، لين العريكة،
ذلك
حيبا متسامحا إلى أبعد حدود الحياء والتسامح وكان ذكيا نافذ البصيرة، وكان جم التواضع حليما، يضاف إلى ذلك سعة في المال، وسخاء في النفس، وانطلاق في اليد، وكرم، مطبوع، وهذه الصفات جميعا كونت له شخصية عظيمة محبوبة، وهيأت له عند الإباضية وغير الإباضية متزلة سامية لا يصلها إلا النادر من الناس فكان ينظر إليه كما ينظر إلى الزعيم أو الحاكم المحبوب، ينتظر الناس أمره ليلبوه عن رضا ومحبة، ولكنه كان أشرف من أن يستغل محبة الناس وأنزه من أن ينحرف عن الحق، وأعدل من أن يميل مع الرغبات، وأحكم من أن لا يقدر عواقب الأمور ونتائجها.
كانت الدولة العبيدية في عصره مسئولة على أغلب المملكة التونسية، ولكن نفوذها في مواطن الإباضية كان ضئيلا، لا يتعدى مبالغ من المال تؤخذ منهم، وقد كان أبو مسور هو الحاكم الفعلي كما كان الأئمة من قبله، ولو شاء أن يستقل بالجنوب التونسي عن الدولة العبيدية لسهل عليه ذلك، ولكنه فضل أن يبقى على الوضع الذي هو عليه، والذي كان عليه الأئمة من قبل، مثل أبي القاسم وأبي مُحمَّد وغيرهم.
كان في سكان تونس عدد من مختلف الفرق الإسلامية، وكان في بعض تلك الفرق طلاب زعامة يستغلون الخلاف المذهبي أو الجنسي في الدعاية للوصول إلى مراميهم الخفية، وأغراضهم البعيدة، وكان بعض أولئك الناس كثيرا ما يلقون بالكلمة النابزة في حق أبي مسور في تغافل، ويتجاهل وينزه سمعه عن الإصغاء إليهم، ولسانه عن مجاوبتهم، ونشط بعض الناس في ذلك، وهم يقولون عنه: إنه رجل غريب عن "جربة"، وماذا يحق له