الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٣٨

الأباضية في موكب التاريخ

536

الأباضية في تونس

بن أحمد النكاري

جعلهم يفكرون في عظمة الرجل ويؤمنون بها، ويسلمون لها، وأصبح خلف يفكر بعد ذلك تفكيرا متزنا، حتى أنه صار يرد الأذى حين يسمعه، ويقول لمَن يُحاول أن يلمز

أبا مسور ولو في خفاء: "أبو مسور إمامنا أجمعين، لحمي لحمه، ودمي دمه". لقد كان أبو مسور عظيما حقا، عظمة الْمُؤمِن القوي، والعالم المتمكن، وكان واسع

سأله

الاطلاع، عالما بأسرار الشريعة، وإلى القارئ الكريم أمثلة مما يُجيب به السائلين: يوما أحد الناس عما يقرأ عند من حضره الموت، فقال: "ما سألني أحد عن ذلك منذ فارقت أبا معروف، يقرأ عند وفاة المُؤمِن قوله تعالى: وَمَا أَيُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَنَةُ * ارْجِعِي إِلَى ربك راضية مرضية (1)

ولعل في الحديث الآتي ما يكشف عن عظمة نفس أبي مسور وسعة اطلاعه، وعمقه في الفهم والتحليل؛ توفي له ولد عزيز عليه فأتاه المشايخ يعزونه في الفقيد الراحل، ويواسونه في مصابه، ويوصونه بالصبر الجميل، فقال لَهُم: "ما الصبر الجميل؟ " تحيّر المشايخ في الجواب، ونظر بعضهم بعضا، ولكن أحدا منهم لم يجد الجواب الذي تطمئن إليه النفس، إنهم كثيرا ما رددوا هذه الكلمة في أنفسهم، وأوصى بها بعضهم البعض، وتمثلوا بقوله تعالى في الكتاب الكريم على لسان سيدنا يعقوب ال: فصبر جميل)، وكان لها في أنفسهم صورة واضحة، ولكنهم لم يجدوا العبارة التي تضع هذا المعنى في إطار يوضح صورتها الجميلة في أنفسهم، فأرجعوا الجواب إلى الشيخ وقالوا له الجواب من عندك يا شيخ"، قال أبو مسور: "ألا تظهر المصيبة على وجه المصاب"، وفكر القوم في معنى الجملة، فوجدوا أن هذه الكلمة تعبير رائع صادق فصيح عن معنى الصبر الجميل، واقتنعوا بذلك، فلم يناقشوا الشيخ لأنهم لم يجدوا ما ينتقدونه في هذا التعريف، أو في هذا الإطار الذي وضعه للصبر الجميل، فلما رأى ما هم فيه من الاقتناع قال لَهُم وهل أيسر" من هذا؟ "، وكأنه يقول لهم: إن هذه المرتبة السامقة من الصبر الجميل لا يصل إليها إلا قليل من عباد الله المخلصين، فرد

(1) سورة الفجر: 27 - 28.

(2) سورة يوسف: 18.