الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٣٩الأباضية في موكب التاريخ
537
الأباضية في تونس
المشايخ إليه الجواب، فقال لَهُم ما لم يتغير الوجه، وتأمل القوم هذه الجملة فوجدوا أنها غير بعيدة عن الإطار الأول، إِنَّهَا مرتبة سامقة من الإيمان، والصبر، والاحتساب، أن تنزل المصيبة على الْمُؤمن فلا يتغير بها وجهه، ولا تبدو عليه الكآبة.
واقتنع المشايخ بهذا التعريف أيضا، ولكن الشيخ زاد فقال لهم: "وهل أسهل من هذا؟ " ونظر القوم بعضهم إلى بعض، ثم رفعوا أبصارهم إليه وقالوا: "منك الجواب"، فقال: "ما لم يبك"، أيكون عدم البكاء عند نزول المصيبة صبرا جميلا؟، وفكر المشايخ طويلا في هذا الجواب ولكنهم وافقوا عليه أخيرا، فلو لم يكن الصبر الجميل هو الذي منع الْمُؤمنين من البكاء لتعالى نحيبهم وطال بكاؤهم، ولكن الشيخ لم يكتف بهذا، فقال لهم: "وهل أسهل من هذا؟ "، فنظر إليه القوم، مستغربين، وبدأ الشك يساورهم في أن تكون متزلة الصبر الجميل أدنى من المنزلة السابقة، ولكنهم قالوا له في شبه تحد الجواب من عندك. فقال لَهُم: "ما يصح، ويدع بالويل والثبور"، وكأنه أحس بدبيب الشك في نفوس القوم، وأنهم يترددون في قبول هذا المعنى، فإن الشخص الذي تنزل به المصيبة فيضطرب لها، وتنهمر عيناه بالدموع لا يعتبر صابرا صبرا جميلا في نظرهم، ولما أحس بما يعتمل في نفوسهم شرح لهم وجهة نظره، فقال لَهُم: "لأنّ البكاء يكون من الرحمة"، نعم، إن البكاء لا يدل في جميع
لَم
الأحوال على الجزع وقلة الصبر، فإن العين وثيقة الصلة بالقلب الرقيق المفعم بالرحمة.
نشأ
في قبيلة بني يهراسن، ثُمَّ ارتحل إلى جبل نفوسة، فالتحق بمدرسة أبي معروف الكبيرة في "شَرْوَس"، وبقي فيها ثماني عشرة سنة يدرس حتى بلغ مرتبة أساتذته، وتفوق على بعضهم، وكان في ذلك الحين فقير ضيق ذات اليد فكان كثيرا ما ينقع الشعير فيشرب ماءه في وجبة، ويطبخه في الوجبة الأخرى لا يتأنق ولا يحتفل بالأكل، ولا يشغل وقته بالتوافه من الأمور، ولما أتم دراسته، وذهب إلى "جربة"، فتح الله عليه أبواب الرزق، وأغدق عليه النعمة، وآتاه من فضله، فكان من أصبر الصابرين في الأول، ومن أصدق الشاكرين في الآخر، وضع ثروته تحت تصرف الأمة، فكان ينفق منها في كل أوجه الخير، لا سيما وجه التربية والتعليم، ترجم له المؤرخ الجربي محمد أبو راس في كتابه: "مؤنس الأحبة"، فوهم في