الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٤١الأباضية في موكب التاريخ
539
الأباضية في تونس
ويترسم
أبو نوح سعيد بن زنغيل
يكفيه شهرة وتعريفا أنه تلميذ الإمامين الكبيرين أبي القاسم وأبي خزر، وأنه استلم منهما الرسالة، وقام بأمر الأمة بعد سفر أبي خزر إلى مصر، وعنهما أخذ العلم حتى بلغ مبلغ الفحول، ومنهما اقتبس السيرة حتى صار قدوة، وقد أوتي فصاحة وبيانا، وقوة حجة، حتى شهد له بذلك أبو تميم المعز لدين الله فقال: "أما أبو نوح ففتى مجادل"، قال أبو تميم هذه الكلمة وأبو نوح لا يزال فتى طري العود يلتزم حلق الدرس، ويتابع مجالس العلم، خطا الإمامين العظيمين يتلقى منهما المعرفة، ويجد فيهما القدوة في السيرة الحسنة، فلما قتل أبو القاسم غيلة كما مر - ودعا أبو خزر إلى الثورة كان أبو نوح أنشط القائمين بالدعوة إلى الثورة، وأشد المتحمسين للأخذ بثأر الشهيد، وكان يتنقل بين البلدان بأمر من الإمام أبي خزر يحرض الناس، ويدعوهم إلى النضال، وقد سافر إلى الجهات البعيدة مثل جبل نفوسة، وكاتب بني أمية، إنه كتلة من النشاط لا يقف ولا يستقر، ولما اجتمعت بعض الجموع على أبي خزر، وبدأوا فعلا ثورتهم في بغاي، كان أبو نوح في مقدمة المقاتلين فرسا أدهم يجول به في الميدان.
له
ورغم أن أبا نوح إنَّما نشأ بين حلق التعليم ولم يتدرب على القتال، إلا أن كتب التاريخ أثبتت من البطولة والشجاعة وقوة القلب والساعد ما يفتخر به أبطال الحروب، وعندما دارت الدائرة على جند أبي خزر كان أبو نوح يطير بفرسه من مكان إلى مكان يحمي الناس، وينفس عليهم الكرب، وتشتت الجموع، وقتل عدد غير قليل، والتجأ أبو خزر إلى جبل نفوسة، أما أبو نوح فقد تنكر في حالة راعي إبل، وجد المعز الفاطمي في تتبع الإباضية في البحث عن الشيخين أبي خزر وأبي، نوح، حتى عثرت جنوده بأبي نوح في الحالة السابقة، فألقوا عليه القبض، وأركبوه جملا وطافوا به في البلدان، فلما نزلوا به عند الليل، بادر إلى التيمم للصلاة، فقال له السجان: "أدخل الخباء واسترح وأزل عنك وعثاء السفر"، فعلم أبو نوح أنه لا يقتل حينئذ، وبقي في الحبس أياما، نيام فيقولون له: "لقد تركت القوم يقعون فيكم، ويتحدثون عنكم"، فيجيبهم قائلا: