الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٤٢الأباضية في موكب التاريخ
540
الأباضية في تونس
"مولانا خير منكم"، وبلغ ذلك أبا تميم فخفت حدته وغيظه وبعد أيام عفا عنه، فكان يأتيه الرجل من حاشية الأمير فيقول له: "يا حبيبي"، فيقول أبو نوح: "أرأيت حبيبا يأكل لحم حبيبه؟ "، فيجيبه الآخر: "نحن رجال الملك، من أحبَّه أحببناه، ومن كرهه كرهناه". كان أبو نوح قد كتب إلى بني أمية يستنجدهم وقد أخذ كتابه إلى أبي تميم، غير أن
كان
هو
الكتاب لم يوقعه أبو نوح، فعقد السلطان مجلسا للتشاور، وكان في الحاضرين يهودي الآخر يتولى بعض مناصب الدولة، فقال لَهُم: "أنا آتيكم بخطه"، وأخذ ورقة وقلما، ودخل على
أبي نوح في صفة الآسف على ما وقع، وقال له: "يحسن بك أن تكتب إلى الملك تعتذر إليه وتطلب منه العفو، فإنه لا عيب في طلب العفو من الملوك"، وجلس ساعة يتحدث ثُمَّ خرج، واقتنع أبو نوح بصواب رأي اليهودي، فأخذ القلم والورقة وبدأ يكتب، غير أنه لم يتم السطر الأول حتى خطرت له المكيدة، فقطع ما كتب وغير خطه تغييرا كاملا، وكتب رسالة العفو وطواها وبقي ينتظر، عُرضت الرسالتان على المجلس الذي عقده أبو تميم، فاتفقت الأغلبية على أن خط الأولى غير خط الثانية، وعقد أبو تميم مجلسا قضائيا لمحاكمة أبي نوح، ووجهت إليه فيها مختلف التهم، ولكنه استطاع أن يبرئ ساحته ببراعة وحذق مما نسب إليه.
في
جلس أبو تميم في مجلس حربي يدل على السخط، فقد لبس لباسه الأحمر وجلس تحت قبة حمراء على السرير الأحمر، ووقف الحرس حوله بالحراب، ثُمَّ أمر بإحضار أبي نوح يرسف الأغلال والقيود، فلما رأى أبو نوح هذه الهيئة أيس من الحياة، واستعد للشهادة، فسلم بلسان فصيح وجنان ثابت، فأطرق أبو تميم مليا، ثُمَّ رفع رأسه وقال: "يا سعيد! أحقا كاتبتم فينا أمية؟ " بني قال أبو نوح: "إن تقبل حُجَّتِي وترفع عذري تكلمت، وإلا فالأمير يفعل ما يشاء". قال أبو تميم: "بل" يقبل عذرك". وكان أبو نوح كما
بني
سبق
أن قلنا فصيح
اللسان، شيق البيان، واسع الاطلاع فقال: "كيف نكاتب أمية ونأمنهم، وقد علمت ما بيننا وبينهم، وهم الشجرة الملعونة (1) التي ذكر الله في القرآن".
1) قال ذلك بعض المفسرين القدماء (المؤلف)، وقد ذهب جمهور الشيعة إلى القول بذلك .. ولم يقل بذلك الشيخ إلا مكيدة للهروب في مثل هذا الموقف الحرج، فانظر في ذكائه وسعة علمه واطلاعه على أقوال الآخرين (المراجع).