الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٤٤الأباضية في موكب التاريخ
542
الأباضية في تونس
تميم إليه وأكرم، وفادتهما، وأظهر من احترام أبي خزر وإجلاله ما لم ينله غيره، وقرب مجلسهما، وصار لا يستغني عن رأيهما، وهو يعمل كل ذلك لينسيهما حركة الثورة، وأن لا يدع في نفسيهما سببا للانتقاض عليه. ولما عزم على الانتقال إلى القاهرة حرص أول ما حرص على اصطحابهما فأجاب أبو خزر، أما أبو نوح فقد ادعى المرض يوم الرحيل، ولما جاءه أعوان الملك يدعونه إلى مرافقة الملك وجدوه مصفر اللون في حالة تدعو إلى الإشفاق، فأخبروا الملك بذلك فتركه وسافر. ويقول
المؤرخون: إن أبا نوح اغتسل بماء النخالة فاصفر لونه، حتى حسبه الناس مريضا. بعد سفر أبي خزر إلى القاهرة لم يطل المقام لأبي نوح، فكان يتنقل من فكان يتنقل من مكان إلى مكان يلقي دروس الوعظ والإرشاد، ويحث الناس على الاعتصام بدين الله، والاستمساك به، على أنه لم يأمن جانب الدولة العبيدية، لا سيما بعد وصية المعز أبي تميم لخليفته بلكين بن زيري، فانتقل إلى وارجلان وكان بها في ذلك الحين الإمام العظيم أبو صالح جنون بن يمريان، مرجع الإباضية وملاذهم وأعلم علمائهم في تلك الأنحاء، فاستقبله استقبال الأخ المحب لأخيه، وآواه إيواء الأب لأبنائه البررة الأعزاء عليه وأجرى عليه من الأموال والأرزاق ما يستطيع أن ينفق منه أبو نوح على سعة، ورغد وعامله الإباضية هنالك بما يعامل به أعاظم الرجال، وكانوا يجتمعون إليه في مسجد جنون ويستمعون إلى دروسه القيمة في شغف ورغبة وتعطش، وكان طلبة العلم لا يفارقونه، ويسمرون معه إلى ساعات متأخرة من الليل، وارتفعت بينه وبين الطلبة الكلفة حتى قال له أحدهم يوما حدثنا بكل ما حفظت"، فقال أبو نوح: "كيف أحدثكم في ليلة واحدة بما أكلت في تعلمه أقفزة من ملح". وبعد زمن اشتاق إلى موطنه فأراد الرجوع، وحاول أبو صالح أن يثنيه عن عزمه، وعرض عليه أن يقاسمه جميع أمواله وأملاكه، وكان ذا ريع كثير، فأصر أبو نوح على السفر، ولما وصل إلى المملكة التونسية، وجد الأمور قد تغيرت عما كان تغييرا كبيرا،
فقد استبدت الدولة الصنهاجية بالناس وعاملتهم أقسى معاملة، وحاربت من يخالفها