الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٤٥الأباضية في موكب التاريخ
543
الأباضية في تونس
في المذهب بكل الوسائل، فأسف على ذلك، قال له بعض الناس: "ما أخرجك عن وارجلان وقد أحسنوا إليك، قال: "حب" الإخوان والأصحاب".
وكان يتقلب بين بلاد الجريد، وجبال "دمر"، ومنطقة "الحامة"، يدعو الناس إلى
الله
المحافظة على دين ورحب به أجمل ترحيب واستقبله أحسن استقبال، فحدثه أبو نوح عن السيرة، ونهاه عن البدعة، وأوضح له أن الْمُؤمِن لا تخدعه الدنيا، لا بالمال، ولا بالسلطة، فوجد عنده
وعدم الاغترار بالدنيا، وذهب يوما إلى درجين فاستقبله مقدمها،
بن
حسن استماع، واستعدادا للقبول، بينما كان أبو نوح في درجين، سمع به المنصور بلكين فبعث إليه يدعوه، وقد انبعثت الشكوك من هذه الدعوة في قلب أبي نوح، ولذلك رأى أن يستشير، فذهب إلى مقدم، درجين، وأخبره بدعوة المنصور، فقال له المقدم: إن أردت المسير إليه فلا خوف عليك، وإن لم ترد كفيتك أمره، فسار أبو نوح إلى المنصور فقرب مجلسه، وأكرم، وفادته وأبقاه بجانبه، وكان كثيرا ما يرد بعض العلماء للجدال والمناقشة في بعض مسائل التوحيد وعلم الكلام، فتتحطم الشبه التي يعرضونها على حجة أبي نوح، وقد ذكرت كتب التاريخ أمثلة من تلك المناقشات، فإذا شاء القارئ الكريم الاطلاع عليها فعليه أن يرجع إلى مظانها في كتب التاريخ، التي ترجمت للإمام أبي نوح). عاش أبو نوح حياة حافلة بالعلم والعمل، ولقد تقلبت به أحداث التاريخ وانتقل من إلى مكان فعاش في المملكة التونسية، وزار بلاد الإباضية في الجزائر، وأقام بها حينا من الدهر، وذهب إلى جبل نفوسة، وتنقل بين مدنه وقراه وارتحل إلى مناطق فزان، حتى بلغ زويلة بني خطاب، وكان في جميع أحواله عندما كان تلميذا لأعظم إمامين عالمين، وعندما كان داعية من دعاة الثورة على الظلم وعندما كان متنكرا في ثياب رعي إبل، وعندما كان مقربا من السلاطين، وعندما كان متنقلا من مكان إلى مكان للوعظ والإرشاد والتعليم، كان في جميع هذه الأحوال مثال المسلم الحريص على دينه الوفي لعقيدته المخلص في عمله، الدؤوب على عمل الخير وقول الخير، والكفاح من أجل الخير، فرحم الله ذلك الرجل العظيم و
مكان
(1) منها: كتاب السير لأبي زكرياء، وكتاب الطبقات للدرجيني، وكتاب السير للشماخي … وغيرها. (المراجع)