الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٤٦الأباضية في موكب التاريخ
544
الأباضية في تونس
أبو صالح اليهر اسني
نشأ أبو صالح بكر بن قاسم اليهراسني في "إزارن، وهي ناحية من البادية، خصبة المراتع، سهلة المراجع، خضراء الوديان، مونقة الربا، تعجب أصحاب الماشية، وقضى طفولته يتمتع بِمَا يتمتع به أصحاب البادية من حرية وانطلاق مع جمال الطبيعة فاكتسب بذلك قوة في البدن والإرادة، وانطلاقا ووضوحا في الخلق والطبع ودربة على الحديث وفصاحة فيه. أخذ العلم عن الأشياخ الذين كانت تمتلئ بهم تلك الأحياء الضاربة في بطون الصحراء، ثُمَّ التحق بمدرسة العلامة الكبير أبي الربيع سليمان بن ماطوس، فاغترف منها حتى أصبح من الفحول، وأخذ فيما أحسب عن ابن زرقون في أواخر أيامه، وأصبح علما من الأعلام يرجع إليه فيما دق وجل من الأمور، وكان مرجعا في جميع مشاكل الحياة، سواء
كانت تلك المشاكل عملية أو دينية أو اجتماعية، وحتى سياسية في بعض الأحيان. ولقد وثق فيه الناس ثقة كاملة، فولوه من أمورهم ما لا يسند إلا إلى الْمُؤْمِنِين الأكفاء، فكان إليه المرجع في الفتوى وإقامة الأحكام، وتأديب الجناة، والفصل في المشاكل، والاستمرار في إلقاء دروس العلم إلى مختلف الطبقات، فكان يتولى ذلك جميعا بحزم وقوة ودراية، ومع حرصه على إقامة العدل والمساواة بين الناس فإنه كان يرفض الفصل في المشاكل التي يكون أحد أطرافها من صنهاجة، ولا يتولى تأديب الجناة منهم، ذلك أن هذه القبيلة العاتية كانت قد تولت الحكم في المملكة التونسية في ذلك الحين فترة من الزمن، فاستبدت بالحكم، وسارت به كما شاء لها الهوى لا تتقيد بقانون ولا شريعة. وإنني حين أقول هذا الكلام تبعا للمؤرخين استغفر الله تعالى في هذا التعميم- فإنه لا شك أن أفراد القبيلة لا يتساوون، وأن فيهم ولا ريب مؤمنون يحفظون عهد الله على إقامة دينه، ويعصمهم الإيمان عن المشاركة في الإثم، وَإِنَّمَا البغي الذي حال دون إيصال الحقوق إلى أصحابها، والعدوان الذي سلط على الناس دون مبرر، والطغيان الذي تقوده شهوة السلطة حتى تبلغ به دعوة الربوبية إِنَّمَا كان بيد الفئة الحاكمة، التي وصلت إلى السيطرة على
ويحرصون