الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٤٧الأباضية في موكب التاريخ
545
الأباضية في تونس
مقدرات الأمة دون أن يؤهلها لذلك دينها، ولا عملها ولا خلقها، وَإِنَّمَا أوصلتها السبل الملتوية التي تجرى عليها السياسة الباغية في كل زمان، وفي كل مكان، ويبدو المؤرخون أن أبا صالح اليهراسني الذي عاش في فترة الدولة الصنهاجية، وحينما تولى الحكم
يقصه
فيها سلاطين ظلمة، يعمدون لتوطيد ملكهم بما ملكت أيديهم كان لا يستطيع أن يجري الأحكام على المجرمين هذه القبيلة؛ لأن التعصب القبلي والمذهبي في ذلك الحين قد بلغ
من
أقصى ما يُمكن أن يبلغه؛ بسبب المسلك الذي سلكه المعز لدين الله الفاطمي الصنهاجي. والحقيقة أن أبا صالح لم يتول هذه الأحكام للدولة، وَإِنَّمَا أسندها إليه العزابة، ورضي الناس به لثقتهم فيه؛ ورضاهم بحكمه، فهو يتولاها منهم رغم أنه لا يملك قوة السلطة، ولا تأييد الحكام. على أن الثورات التي كانت تندلع ألسنتها باستمرار، وزحف العرب الهلاليين وإخوانهم بني سليم، وغارات السلب والنهب التي قاموا بها، وما يصيب الأحياء الضاربة في الصحراء من الغارات والروعات واغتصاب الأموال، وما يتبع ذلك من ويلات ومصائب، أقانى أبا صالح فترك البادية، وانتقل إلى جربة" وسكن بها واستوطنها. كان أبو صالح عالما واسع المعرفة، ومؤمنا خالص الإيمان، ومربيا خبيرا بأساليب التربية السليمة وحاكما قوي الإرادة، لا تأخذه في لومة لائم، فهو إما أن يقيم
ويثبت العدل، وإما أن يتخلى عن الحكم وأسبابه.
الله
وكان حريصا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة على دين
ومع
الحق،
الله
ذلك فهو
هنالك،
ومحاربة البدعة والمبتدعين، لا يحول بينه وبين ذلك تعب ولا مشقة، متواضع كريم النفس يعترف بالحق ويقر بالتقصير. أن سمع بعض المبتدعين قد استقروا في جبل "دمر"، وأنهم ينشرون بدعهم حتى كادوا أن يؤثروا بها على الناس، وأن يجدوا لدعاويهم آذانا، فاستدعى إليه ولده ويسلان، وأمره أن يصحبه في رحلته إليهم، على كبر سنه، وضعف بدنه، وتغلب الشيخوخة والهرم عليه، وكانت جبال "دمر وعرة المسالك صعبة المراقي، - قال التيجاني (1) يصف
1) رحلة التيجاني، ص 185.