الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٤٨الأباضية في موكب التاريخ
546
الأباضية في تونس
قسما منها: "وهو جبل مرتفع في السماء، قد سهلت فيه طرق ضيقة لا يسلكها السالك إلا على غرر، وقد تدرب أهلها على سلوكها، فهم يتنازون فيها تنازي العصم، وكذلك غنمهم وإبلهم، يسلك البعير منها مسالك لا يستطيع الآدمي سلوكها إلا بالحيلة"، فلما بلغ القرية -وهي في قمة الجبل - قصد رئيس الجبل زيري بن، كملين فاستقبله الرجل بالترحاب، ولكن الشيخ عجل عليه باللوم، والتوبيخ وأنبه على تسامحه مع هؤلاء المبتدعة الذين يزرعون البدعة، فيقودون الناس إلى الانحراف عن دين الله، ولكن مقدم "دمر" كما يسمى حينئذ اعتذر بأنه ليس لديه من العلم ما يقف به في وجه أولئك الناس، وأنه ليس في "دمر" من يستطيع الرد على أولئك الذين وجدوا الجو خاليا، فباضوا واصفروا بحجة العلم، وبرهان الاقناع، وأنه كان من واجب العلماء في "جربة" وغيرها من البلاد المجاورة أن يزوروهم وأن يعلموهم، وأن يردوا عنهم ألسنة السوء، فأجاب الشيخ: "إِنَّمَا العلماء منع
11
من
تكرار
الجفاف
من
مهمته
الزيارة ما كان عليه أهل جبل "دمر" في ذلك الحين من ضعف اقتصادي، بسبب جهة، والضرائب المتتابعة من جهة أخرى، فمجيء العلماء إليهم يكبدهم نفقات قد لا تتيسر لَهُم، فقال زيري: إذا أشفقتم علينا من الناحية الاقتصادية فهلا جئتم إلينا، وحملتم معكم أزوادكم، فقمتم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، ورد البدعة، وإحياء السنة، ولم ترزأوا الناس شيئا في أموالهم، فأعجب الشيخ بجواب زيري بن كملين مقدم جبل دمر، واعترف أن هذا القول حق وأن العلماء مقصرون، وأن الحجة قامت عليهم، وأن من يتصدى لحمل رسالة الإسلام يجب أن لا يعوقه شيء عن أداء العظيمة، كانت تتعاقب عليه حلقات من الطلبة مُختلفة المستويات، وكانت أكبر الحلقات مستوى فيها ابنه أبو محمد ويسلان، وأبو يخلف النفوسي، وكان أبو يخلف فقيها حاذقا ذكيا، كثير الحفظ، متقنا لمسائل الطهارات، ضابطا لأصولها وفروعها، فكان أبو صالح يحيل عليه الأسئلة التي ترد في الحيض والطهارات، فيجيب أبو يخلف في حياء وأدب بِمَا عنده من علم، ثُمَّ يعتذر في تواضع، وهكذا لا يستنكف كل من العلمين عن الاعتراف بالقصور، ولا يستبد به الغرور الذي يصيب بعض المتعلمين في العصر الحاضر في أنف أن