الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٤٩الأباضية في موكب التاريخ
547
الأباضية في تون
يسترشد من هو أعلم منه وأهدى ولقد كان إلى هذا الخلق القويم شديدا في أمر الله، ينكل بالعصاة والمجرمين، ولا تأخذه بهم رأفة في دين الله وحينما كان بالبادية قد أعد خشبة ثقيلة فيها سلاسل من الحديد يربطهم فيها عند الليل لئلا يهربوا قبل أن يجري عليهم الأدب أو تؤخذ منهم الحقوق، وعندما انتقل إلى "جربة" ألقى تلك الأخشاب بما فيها من حلق الحديد في بئر، خوفا أن تستغل في غير حق، أو تستعمل في غير ما وضعت له، وعاقب فتي ممن درس على أبي مسور، فشدد في عقابه، فذهب الفتى إلى شيخه أبي مسور يشكو إليه قسوة أبي صالح، فقال أبو مسور للفتى وطن نفسك على ما تلقى من أبي صالح، فإن الْمُؤمِن كالحديدة المحماة، تحرق ما يقع عليها، أو تقع عليه". ويبدو أن الفتى لم يتعظ بعقاب أبي صالح ولا بدرس أبي مسور فعاد إلى ما ارتكب، فأعاد الشيخ تأديبه بما عرف عنه من الشدة في دين الله، فذهب هذه المرة إلى أبي زكرياء يشكو إليه ما يلقى من أبي صالح، وكان ينتظر أن يقف أبو زكرياء إلى جانبه وأن يطلب من أبي صالح أن لا يلجأ إلى العنف في تأديب هذا الرجل، ولكن أبا زكرياء حين سمع منه ذلك تجهم وجهه، وبدا الغضب عليه، وقال له في قوة: "أرجو ألا يؤاخذ الله أبا صالح فيما ترك من تمام، أدبك، فإن أباك ذكر أنك تنتف لحيته، وهكذا تعاون المشايخ على تأديب العصاة، واتفقوا على أسلوب أبي صالح وطريقته.
هذه الشدة التي يستعملها العصاة المتقدمين في السن، فقد كان
مع
وأبو صالح مع رحيما، رقيق القلب، واسع الصدر، لا يلجأ إلى الشدة إلا للضرورة، ويستعمل وسائل التربية الإقناعية، ما لم تدع الضرورة إلى غيرها.
كان موضوع الدرس في يوم من الأيام اللباس في الصلاة"، وبينما كان الشيخ منهمكا في تقرير الدرس، وإيضاح جوانبه، أراد أحد الطلاب أن يداعب الشيخ فقال له: هل تجوز الصلاة بثوب واحد؟ وأجاب الشيخ على الفور: نعم تجوز، إذا كان الثوب طاهرا ساترا للعورة"، وابتسم الطالب في خبث وقال: أرأيت إن كان الثوب شاشية (1)؟، فقال الشيخ في بساطة: "نعم تجوز
(1 الشاشية لباس الرأس من قماش وغيره.