الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٥٠الأباضية في موكب التاريخ
548
الأباضية في تونس
الصلاة بها اذا كانت طاهرة ساترة للعورة، وضحك التلاميذ، واستمر الشيخ في الدرس دون أن يغضب، كما قد يفعل أكثر المدرسين الذين يضيقون بشقاوة الطلاب وعبثهم.
ناول في يوم من الأيام كتابا لأحد الطلاب المجيدين، وأمره أن يقرأ درسا معينا، وبدأ الطالب القراءة، واستمر فيها وكان إلى جانبه زميل له دونه في العلم والفهم، ولكنه كان يتظاهر بالمعرفة، وكان لا يفتأ يصحح للأول قراءته، فأراد الشيخ أن يلقنه درسا تأديبيا لينا، فقال للتلميذ الذي بيده الكتاب: "إعط الكتاب لِمَن هو أحسن قراءة منك"، وأشار إلى زميله، فسلم له الكتاب وأراد القراءة فلم يستطع وبان له ضعفه بالنسبة إلى زميله، واكتفى الشيخ بهذا الدرس العملي في تربية التلميذ المنتفخ، الذي غلبه حب الظهور على نفسه. أساليب التربية عند الشيخ بالنسبة لأفراد الشعب، ولطلبة العلم، وبقي علينا أن
هذه أمثلة من
نذكر أمثلة
من قصصه في حله للمشاكل وحكمه بين الناس وإيصاله للحقوق إلى أصحابها. عندما كان الشيخ بجربة باع رجل لرجل سلعة اتفقا على تحديد ثمنها بستين، غير أنهما لم يبينا العملة، فلما أراد المشتري أن يدفع الثمن قال البائع: "العملة ذهب"، وقال المشتري: "بل نحاس"، وتخاصما، وارتفعا إلى أبي صالح، فقال أبو صالح: "إن العرف الجاري في "جربة" التعامل بحناديس النحاس، فعلى البائع أن يقبل هذه العملة، أو أن يأخذ سلعته". ووردت عليه يوما قضية أخرى، فقد كان لنكاري على إباضي دين مقداره دينار واحد، فمات الإباضي ولم يخلف شيئا غير شاة واحدة، فجاء صاحب الدين إلى ولد المدين الميت، وطلب إليه أداء دينه، فقال الولد: دونك الشاة فبعها وخذ مالك، وقال صاحب الدين: "بل بع شاتك وأعطني مالي، فارتفعا إلى أبي صالح، فقال أبو صالح للإباضي: "بع شاتك واعط للرجل ماله"، فقال بعض الحاضرين ممَّن تغلب عليه العصبية المذهبية: "إن أبا صالح أعان النكاري على الإباضي"، فأجابهم -رحمه الله - بأن الحكم لا يختلف باختلاف مذاهب المتخاصمين. وقال أبو مُحمَّد ويسلان: لو أن العواطف تؤثر على أبي لأثرت عليه في هذه القضية؛ لأنه يستطيع أن يستند إلى قول مشهور في الفقه، وهو أن الوارث لا يلزمه شيء من ديون الميت إذا تبرأ من التركة، فلو شاء لاستند على هذا القول، واعتمده وحكم للإباضي".