الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٥١الأباضية في موكب التاريخ
549
الأباضية في تونس
قال أبو العباس الدرجيني: "إذا لم يخلف المدين إلا معينا فعلى الحاكم أن يجتهد في النداء حتى يبلغ أقصى ثمنه في الوقت ثُمَّ يقضي الدين، وهو الصواب إن شاء الله؛ لئلا يقوم غيره من أصحاب الديون على الوارث".
كان رجل في جبال دمر يكنس مربدا له بجانب منزله فرمى حجرا وراء جدار فوق على رجل فمات، ونتجت عن ذلك مشكلة تعددت فيها الآراء والنظريات، وأخيرا رفعوها إلى أبي صالح، فحكم فيها بالدية على عشيرة الرامي وسمع بذلك مقدم جبال دمر زيري بن كملين، ففرح بهذا الحكم أيما فرح؛ لأنه كان يأخذ الثلث من الدية على عادت عادتهم وزعم زيري وقومه أن هذه السيرة أخذوها عن السلف من الأئمة، فغضب عليهم أبو صالح، وأنكر عليهم إنكارا شديدا، وأفهمهم أن هذه العادة تخالف أحكام الإسلام، وأقنعهم أن هذه السيرة لا يُمكن أن تكون من الأئمة؛ لأَنها مُخالفة لشريعة الله، وما كان الأئمة ليعملوا عملا يُخالف شريعة الله، ولم يزل بهم حتى أبطلها فيهم، وكان أبو صالح يجمع إلى غزارة المادة في العلم والقوة في دين الله، والشدة على العصاة، واللين والمحبة في معاملة التلاميذ، عاطفة فياضة، وقلبا رحيما بكل ما خلق الله،
من
وهو في هذا شبيه بالعلامة أبي مهاصر موسى بن جعفر، فقد غاب عن أهله لشأن الشؤون، وترك فيهم ناقة مصراة (1)، فلما رجع بعد أيام وجد أن أهله لم يترعوا الصرار عن الناقة، حتى أثر فيها الخيط، وتقيح موضعه فغضب غضبا شديدا لهذا الإهمال، وجعل ينزع الخيط الناقة والقيح يقطر عليه فجاء ولده ويسلان يبعد أكمام الشيخ حتى لا ينزل عليها الصديد، فانتهره الأب وهو يفك الخيط، ويجعل على موضع التقييح بعض الأدوية التي تجففه وكان كثيرا ما يلجأ إلى التربية العملية، وهو يتولى إيضاح بعض الأحكام لولده ويسلان بدون أن يشعره بذلك.
الخيط عن
طلب مرة من ويسلان أن يصحبه في رحلة قصيرة، فركب الأب أتانا فارهة، وكان الولد المؤدب العالم يسير إلى جانب أبيه، فلما كان ببعض الطريق طلب من ويسلان أن يقتطع غصنا من
(1) الناقة المصراة: هي التي شد ضرعها بالصدار لئلا يرضعها ولدها.