الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٥٤

الأباضية في موكب التاريخ

552

الأباضية في تونس

أمن وهدوء وسلام، ولذلك فقد كان رفيقا في معاملة الولاة، ورجال الحكم على البلدان المجاورة، يظهر لَهُم الاحترام، ولا يتدخل في شؤونهم، وإذا ورد أحدهم إلى الجزيرة سعى في إكرامه واحترامه وتلطف معه حتى يأمن شرهم ولا يستفزهم إلى العدوان، وكان موقفه هذا عكس موقف العلامة أبي عمرو النميلي، الذي كان من أشد الناس نقمة على الظلم والظالمين ينتقد انحراف الدول الحاكمة في ذلك الحين، ويوضح بعدها عن المنهج الإسلامي في دروسه العامة والخاصة، ويرى أن ذلك مخالفة لدين الله، والمخالفة لدين الله منكر يجب على المؤمن أن ينهى عنه، وأن يبرأ من فاعله.

قال أبو العباس الدرجيني حين ترجم لأبي زكرياء فصيل و كان أبو زكرياء ربَّما عامل ابن ويمي وأشباهه بالإكرام، وقابلهم بإطعام الطعام، فإذا فعل شيئا من ذلك تبرع بإطعام مثله، فالأول وقاية العرض، وإبقاء الحرمة، والثاني تكفير عن الأول"، ويدل على موقف أبي زكرياء من الحكام الظالمين ما ذكره أكثر المؤرخين الذين ترجموا له؛ فقد كان أهالي جربة كما أشرت آنفا، مستقلين أو شبه مستقلين عن الدولة الحاكمة، سواء في ذلك الدولة العبيدية في آخر أيامها والدولة الصنهاجية في أول أيامها غير أن الدولة الصنهاجية وقد كثرت عليها الفتن من كل الجهات والجوانب، كانت في حاجة دائمة إلى مزيد من المال، ولذلك فما تتهيأ لها فرصة للاستقرار حتى توجه ولاتها إلى جباية الضرائب ممَّن يدين ن لَهَا بالطاعة، وإخضاع من لا يدين لها بالطاعة واستباحة أموالهم، وفرض الضرائب عليهم. وفي إحدى هذه الفترات بعد الزحفة الهلالية أمرت عاملها على القيروان أن يتوجه إلى احتلال "جربة"، واستباحتها وغنيمة أكثر ما يُمكن من الأموال واستعد عامل القيروان الذي تسميه المصادر التاريخية التي بين يدي ابن ويمي المزاتي، وكان فاسقا جائرا، واتَّجه إلى "جربة" في جيش كثيف، ولكن هذا العامل كان كثيرا ما يزور "جربة" زيارات عادية، فيلقى من أبي زكرياء الإكرام والاحترام ولذلك فعندما أمر باحتلال الجزيرة بعث إلى ابن أبي مسور أنه مكلف من طرف الدولة باحتلال الْجَزيرة ويطلب إليه أن ينحاز بأهله وأقاربه وبني يهراسن إلى المسجد؛ حتى لا ينالهم أذى من الجيش الغازي، ودخل ابن ويمى

يخبره