الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٥٥الأباضية في موكب التاريخ
553
الأباضية في تونس
الجزيرة، وارتكب فيها من الأفاعيل ما كان حريا أن يرتكبه أمثاله من الفساق، الذين يتعاونون مع الحكومات الظالمة في قهر الشعوب والتسلط عليها، ولما أتم المجزرة التي استعد لها وجمع من الأموال ما أمكن أن يجمعه ذهب إلى ابن أبي مسور يطالبه بفرض الضريبة على بني يهراسن، وسأله في وقاحة القائد المنتصر عن مقدار الضريبة التي يستطيع بنو يهراسن قوم أبي أن مسور يدفعوها إليه، وأخبره العالم الجليل أنهم ضعفاء، وأنهم لا يستطيعون أن يدفعوا أكثر من دينارين فرضي بذلك، ودفع ابن أبي مسور له دينارين من ماله الخاص، فقبلهما ابن، ويمي وهو يقول: "لقد أفسد أهل جربة الرعية على السلطان". ذكر هذه القصة أكثر المؤرخين الذين تحدثوا عن أبي زكرياء فصيل، واعتبروها من كراماته، فلولاه للقي بنو يهراسن ما لاقاه غيرهم من ابن ويمي وجنده، ولقد قرأت القصة وتأملتها مرارا، وراجعتها في غير مصدر من مصادر التاريخ التي لدي، وكانت أسئلة كثيرة حائرة تثور في ذهني كلما عدت إلى التأمل فيها.
النكبات، ومع
إن الموقف المسالم للحكام الظالمين عندما يتغلبون على الأمة هو الموقف الذي وقفه كثير من علماء الأمة، بل لقد ذهب بعضهم إلى أن الرضا بالحكم الظالم أولى من الثورة عليه، لما تجره من ومع أنني أعلم هذا ولست أجد شيئا أنتقده على مسلك أبي زكرياء مع الحكام الظالمين، وملاطفته لَهُم، وإكرامه إياهم، ومحاولة عدم الاصطدام معهم، إلا أنني غير مطمئن لهذا الموقف الأخير منه الله، لقد عاشت "جربة" كما قلت آنها مستقلة، أو شبه مستقلة عن الدولة العبيدية والصنهاجية في أكثر الأحيان، وكانت غير خاضعة لها، اللهم إلا في مبالغ من المال تدفعها في بعض الأحيان، فلماذا يهادن أبو زكرياء عوامل الظلم، ويسالم أيدي العدوان، وينفصل بمسلكه عن علماء عصره، أمثال أبي عمرو النميلي، وأبي صالح اليهراسني، وأبي موسى الزواغي، وأبي محمد كموس، وأبي بكر وغيرهم، ويرضى أن يرتكب الظالمون الفواحش في "جربة"، في الحين الذي ينفصل هو بآله من بني يهراسن مثلا، فلا يمسهم سوء، وهل لنجاة بني يهراسن دون إخوانهم من أهل جربة قيمة؟، وهل يمكن أن يصدق أبو زكرياء وعد ابن ويمي، فلا يفعل شيئا إلا أن يخرج بأهله إلى