الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٥٦

الأباضية في موكب التاريخ

554

الأباضية في تونس

المسجد ليقيهم سطوة المعتدين، ألم يُخامره شك في أن طلب ابن ويمى له بانفصاله لا يقصد به تكريم أبي مسور، وإِنَّما يقصد به إضعاف صف المقاومة في "جربة"، وتفريق الكلمة .. إنَّها خواطر كانت تتعاقب في ذهني وأنا أمر بأحداث هذه القصة، فأردت إثباتها هنا، وهي لا تعني شيئا، وأحسب أن القراء الكرام سوف يمرون بها ساخرين، فإن

أحداث التاريخ لم تتوقف في يوم من الأيام تنتظر ما تكتبه عنها أقلام الأجيال القادمة. كان أبو زكرياء جبلا من جبال العلم، ومؤمنا شديد الإيمان، ومحبا للسلام مخلصا في حبه وكان يتمسك بالواضح في دين الله ويصر على العمل بالعزيمة، ولا يميل إلى الفتوى بالرخصة، ويحشد جَمِيع قواه للعلم والتعليم، فكان يقول: "متزل التلاميذ كشجر الخروب لا ينبت بجانبه شيء، وإن نبت كان ضعيفا". ويقصد بذلك أن العناية الكاملة يجب أن تصرف إلى التلاميذ وإلى تعليمهم، وتربيتهم، وأن الاهتمام والاشتغال يجب أن يصرف إليهم، كان يقول هذا لأهله وأقاربه، والقائمين على شؤون التعليم، حتى تنصرف إلى الطلاب جميع الجهود، وتبذل في سبيلهم كل المساعي. لقد تأسست كثير من المدارس على نفقة العلماء ورعايتهم في كثير من البلاد، ولقد قصر بعضهم جهده على التعليم، وبذل فيه كل قوة غير أن أبا زكرياء قد يكون فريدا في مسلكه واهتمامه بقضية التعليم، ورعايته لها وحدبه عليها، ومع قيامه بالتدريس، وبجلب المدرسين المساعدين إلى مدرسته والإنفاق عليهم ماديا، حتى يتمكنوا من والإنفاق على الأقسام الداخلية بتوفير المسكن والمأكل لجميع الطلاب الذين يأتون من البلاد البعيدة، وكانت "جربة" تغص بهم، مع كل ذلك كان أبو زكرياء يبتكر الوسائل في تحبيب العلم إلى الطلاب، لا سيما الصغار والجدد منهم وكثيرا ما كان يعاقب التلاميذ على ألواحهم ودفاترهم، وكتبهم بعد خروجهم فيضع فيها مبالغ من المال رغبة في إخفاء الصدقة من جهة، وتشجيعا ومساعدة للطلاب من جهة أخرى، وكان الطلاب حين يجدون ذلك وهم لا يعرفون مصدرها ولا سببها يأتون بها إلى الشيخ أبي زكرياء، فيخبرونه بأنهم وجدوا تلك الأموال في أدواتهم الدراسية دون أن يعرفوا من فعل ذلك، فيجيبهم

أداء واجبهم،