الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٥٧

الأباضية في موكب التاريخ

555

الأباضية في تونس

أبو زكرياء بأنها أموال ساقها الله إليهم، ويحل لَهُم الانتفاع بها، فلما توفي أبو زكرياء الله - انقطع ذلك المدد عن الطلبة، فعلموا أنه من فعل أبي زكرياء.

-رحمه

كان أبو بكر الزواغي من أشد الناقمين على الظلم المنتقدين على الوضع الفاسد الذي كانت الأمة الإسلامية تعيشه في ذلك الحين، فكان يقول في مجالسه: "لسنا في ظهور ولا دفاع ولا شراء ولا كتمان ولكن زماننا سائب".

وبلغت الكلمة إلى أبي زكرياء فخشي أن يفهم الناس أن الزمان السائب مسلك خامس من مسالك الدين، فقال للذين نقلوا إليه كلمة أبي بكر: "أخبرو أبا بكر أن مسالك الدين أربعة فقط الظهور والدفاع والشراء والكتمان".

وأبو بكر الزواغي يعلم أن مسالك الدين أربعة، ونحن أيضا نعلم ذلك، ولكن كلمة الزمن السائب تجد مكانها في بعض الأحوال، وأحسب أن هذا العصر الذي نعيش فيه هو الآخر داخل في الزمن السائب، على أن الوضع الذي كانت عليه "جربة" في عصر أبي زكرياء وأبي بكر يحتاج إلى تفكير، لإدخاله في مسلك من مسالك الدين، فإن "جربة" في ذلك الحين لم تكن خاضعة لدولة عادلة ولا ظالمة وليس في حال ثورة فعلية على عهد ظالم، وليس فيها فدائيون يحاربون ألوان الظلم والجبروت، والناس مع هذه الحالة المائجة لا يحرصون على أداء الله شعائرهم، والمحافظة على دينهم، واجتناب ما نهى عنه، إنَّها على كل حال صورة من صور الحياة في عهود الكتمان ذلك؛ لأنّ "جربة" لو فكرت في تكوين دولة عادلة، وبايعت إماما في ذلك العهد لأتجهت إليها الضربات من كل جانب، وتخطفها الظالمون من كل سبيل، ولذلك فقد كانت تلك الحياة التي عبر عنها العلامة أبو بكر بأنها حالة سائبة هي صورة من الصور التي تعيشها الأمة تحت الحكم الظالم، لا تريد شيئا إلا أن ينجو من العيث والعبث. لقد عاش أبو زكرياء للعلم، ولتصحيح عقائد الناس وأعمالهم في شؤونهم الدينية، وعاش على كرمه وإحسانه ومؤاساته ونفقاته عدد غير قليل من الناس، وحين توفي ترك للأمة ولديه النجيبين زكرياء ويونس، قال عنهما أبو العباس الدرجيني: "لكل واحد منهما