الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٥٩

الأباضية في موكب التاريخ

557

الأباضية في تونس

خاضعة لحكمهم في الظاهر إلى سنة 331 حين احتلها أبو يزيد بن كيداد، وطرد منها حكام الدولة الفاطمية، وارتكب فيها من الأفاعيل ما لا يرتكبه مؤمن، فـ «الإيمان قيد الفَتْك لاَ يَفتكُ مُؤمنٌ» (1) كما قال رسول الله، إلا أن أبا يزيد شغل بمحاربة الدولة الفاطمية حتى قتل سنة 335 هـ، وبذلك بقيت جربة مستقلة عن حكم أبي يزيد الذي قتل، وعن الدولة الفاطمية الذين خرجوا بسبب انتصار أبي يزيد عليهم، وهكذا استقرت فيها

الأمور، ورجع الحكم إلى مشايخ العزابة الذين يتولون رعاية شؤونها بحكم الله. وذاق الناس حلاوة الإيمان في هذا العهد وتمتعوا بعدالة الإسلام التي يجريها علماء الإسلام، وكان أبو عمرو النميلي ضمن مجموعة العلماء الذين يديرون أمر الجزيرة، ويتولون شؤونها، وكافحوا حرصا على أن يحتفظ الناس بعزة الإسلام، فلا تستعبدهم القوة، ولا تغرهم الشهوة، ولا تجرفهم تيارات الانحراف، وأن يتخلقوا بأخلاق الإسلام، فكانوا يتولون ذلك منهم بالموعظة الحسنة، والقدوة الصالحة، والبيان الفصيح الصريح، وإيضاح سيرة المسلمين المهتدين في عهد النبوة وما تلاه من عهود إلى عصرهم، وهم في كل ذلك لا يتحرجون عن نقدهم لمسلك الحكومات الظالمة التي كانت تجاورهم، وازدهر الجانب العلمي هنالك، فتألفت الجمعية العلمية في غار أمَجماج، وكان أبو عمرو أحد أعضائها، وألفت الديوان المعروف، الذي تحدثنا عنه في بعض حلقات هذا الكتاب. وهكذا بينما كانت بقية البلاد في الجنوب التونسي تعاني من الفتن المتعاقبة، المستمر، والظلم الذي يتزل عليهم متتابعا من الحكام أشد ما تعانيه أمة في عهد حكم فاسد،

"

والنزاع

كانت جربة آمنة مطمئنة مستترة تنشر العلم، وتكون الجمعيات، وتشتغل بتأليف أضخم الدواوين إلى سنة 431 هـ، حين جهز المعز لدين الله الفاطمي الصنهاجي جيشا واحتل جربة، وارتكب فيها أفظع جريمة يرتكبها قائد حربي، فقد جمع إليه أكبر طبقة من العلماء الأعلام وأمر بقتلهم معتقدا أنه بقتل أولئك العلماء يستطيع أن يضمن طاعة جربة

1)

(1) الحديث أخرجه أبو داود في سننه عن أبي هريرة، (2769، 87/ 3. الحاكم في المستدرك، بلفظه عن معاوية، ر 2769

ر 8038، 392/ 4. (المراجع)