الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٦الإباضية في موكب التاريخ
54
نشأة المذهب الإباضي
اتخذ الإباضيَّة الأصل الأَوَّل لمذهبهم فيما يتعلق بالبارئ سبحانه وتعالى تنزيهه تعالى عن مشابهة الخلق، استنادا إلى الآيات المحكمات کتاب الله، وما ورد في القرآن الكريم،
مما يوهم
من
التشبيه، فَإنَّه يجب الإيمان به أنه من عند الله، وتؤول الآيات الموهمة للتشبيه بما
يقتضيه المعنى من السياق كتأويل الاستواء بالاستيلاء، واليد بالقدرة، وما إلى ذلك. وفي قضية القدر، رأى الإباضيَّة منذ ذلك الحين، أن الإيمان لا يتم حَتَّى يؤمن الإنسان
(1)
بالقدر خيره وشره أَنَّهُ ه أَنَّهُ من هو الله وَالله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) ()، {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمر) (3)،
و مل من خَالِقِ غَيْرُ اللهِ) (3)، والله خَالِقَ كُلِّ شَيْء)، وللعبد حق الاكتساب والاختيار. وهَلْ مِنْ
الله
وهكذا استقرت آراء الإباضيَّة في أكثر مسائل الخلاف على الأصول المستمدة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، ولا يزال بقية من أصحاب رسول الله أحياء وقد رجع الإمام الأكبر في كثير من هذه المسائل إلى آراء الصحابة، كبعد عباس، وعائشة أم المؤمنين كما وقع في مسألة رؤية الباري ليلة الإسراء، حتى قالت: «مَن زَعَمَ أَنْ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَد أَعظَمَ عَلَى الله الفِرْيَةَ» ().
و من
هذا الفصل يتبين للقارئ الكريم أن المذهب الإباضي اقتبس أصوله القويمة التي بني عليها عقائده وأعماله في خير القرون (1) حينما كانت بقية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
الله
ينشرون الثقافة بعلمهم، ويوضحون هدي مُحَمَّد بمسلكهم، وينصرون دين بإرشادهم وتوجيههم ونصيحتهم، وأنه حينما كانت تحدث المشاكل وتنجم البدع، فيفكر فيها العلماء الأعلام كان جابر الله له يدرسها دراسة المؤمن المحقق، فإذا لَمْ يستبن له
1) سورة الصافات: 96. 2) سورة الأعراف: 54.
(3) سورة فاطر: 3.
(4 سورة الزمر: 62.
(5) جاء في صحيح الربيع باب (10) في ذكر الشرك والكفر، ص 17، أبو عبيدة عن جابر بن زيد، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "من زعم أن محمداً رأى ربه، فقد أعظم على الله الفرية".
1) إذا فسر القرن بالمعنى الزمني المتعارف في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «خير القرون قرنى ثُمَّ الذي يلونهم … ».