الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٦١الأباضية في موكب التاريخ
559
الأباضية في تونس
العلماء
لقد درس على أبي نوح سعيد بن زنغيل، وسبقه على هذا المجلس الإمام الكبير أبو عبد الله محمد بن بكر، وعندما كان أبو الخطاب طالبا في حلقة الدرس كان أبو عبد الله قد بدأ يشتهر، وتتجمع عليه حلق التلاميذ والعلماء، ولما انفصل عبد السلام عن مدرسة أبي نوح ارتحل إلى "كنومه"، والتحق بحلقة أبي عبد الله، فدرس ودرس، وكان ضمن الذين يحضرون على أبي عبد الله العلامة أبو محمد يوجين اليفرني، كان عبد السلام بن منظور مجرا مشغوفا بالمذاكرة، يطيل السهر، فكان أبو محمد يوجين يقول له: "أرني موضع نومك يا عبد السلام حتى أوقظك لصلاة الفجر". ويستمر عبد السلام في المذاكرة إلى هزيع من الليل، وما يكاد يلمس جنبه الفراش حتى يرن في أذنه صوت أبي محمد يوجين في حنان وإعزاز: "يا عبد السلام يا بني قم! فإنما نال الصالحون ما نالوا بترك اللذات، والنوم من اللذات" فيتمطى الفتى في مكانه، وإن أوصاله لا تزال عالقة بالفراش، ولكنه سرعان ما يثب، لئلا يغلبه سلطان النعاس، فيأخذ الإبريق، وما إن يتوضأ ويستقبل القبلة ويصلي الله ما يشاء حتى تكون بقايا النوم والكسل قد طارت من عينيه فيأخذ كتبه، ويعتزل في زاوية على نور مصباح هزيل من الزيت، ثُمَّ يستمر في الدراسة في جو السحر الهادي اللطيف. مكث أبو عبد الله محمد بن بكر في "كنومة" مدة رآها كافية لإصلاح الوضع، فقد استقام الناس، وحرصوا على التمسك بالدين، وبدأ نظام العزابة يوجه الأمة إلى الخير، وترتبت الحلقة، وأحس الناس كبارا وصغارا رغبة ملحة في التعلم، فاطمأن الإمام عليها، وأراد الارتحال إلى بلاد أخرى محتاجة إلى جهوده المباركة وكان عبد السلام قد أصبح ذا كفاءة للإرشاد والتوجيه والدعوة إلى سبيل الله، والتدريس في العلوم اللغوية والشرعية التي حتاج إليها الناس، وكان يفكر في الرجوع إلى موطنه ليقوم بالكفاح في سبيل الله، ولكن الإمام الأكبر أبا عبد الله صاحب نظام العزابة دعاه إليه لما رآه فيه من حيوية ونشاط، ومحبة العمل ومداومته عليه وقال له: "لقد رأيت أن أنتقل إلى وادي أريغ ومعي الدارسون والمدرسون لنجعل تلك البلاد مركزا للدعوة زمنا، وأرى أن تنتقل معي؛ لأن من يقصده الناس بحاجاتهم كمن دخل الحرب لا غناء به عمن يعينه ويؤيده، ويرعاه