الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٦٣

الأباضية في موكب التاريخ

561

الأباضية في تونس

فيها الفرصة لأداء فريضة الحج، ولما رجع من بيت الله ارتحل من جبل نفوسة واختار لمقامه قلعة بني درجين قرب نفطة، وكانت حينئذ مدينة عامرة بالعلم، رخية الحياة، قوية

مهيبة الجانب، تعد نحوا من عشرين ألف فارس وهي قوة لها حساب في ذلك العصر. اطمأنت الحياة بأبي الخطاب في درجين، ولم يكن ينقصه شيء إلا أنه لم يرزق أولادا ذكورا، وَإِنَّمَا رزق عددا من البنات من زوجته الثانية زينب بنت أبي الحسن، وعندما يجمعهما السمر كان كثيرا ما يقول لها في مداعبة ورجاء أن تفهم إليه-: يرمي يوشك أن يغلب بنو العم على بناتك يا زينب"، وهو يقصد أن أولئك البنات عندما يكبرن يخطبهن أبناء العم، فيتزوجن، ولا يبقى للبيت غيرهما، وما أشد وحشة بيت لا يسكنه غير شيخين هرمين، وكانت الزوجة الوفية المحبة تفهم ما يرمي إليه زوجها من وراء كلامه، وتتمنى أن يكون لبناتها أخ، ولكن ما حيلتها هي، إن الله هو الذي يهب الذكور والإناث، وأشرق ذهنها بومضة وهي تفكر في إسعاد زوجها.

وقع في ليبيا قحط وجفاف استمر عدة سنوات مع فساد في الحكم، وظلم من الحكام، فهاجر أكثر الناس سنة 430 هـ، وأرخوا فيما بعد بهذا العام وسموه: "عام فرورا"، وقدمت أسرة من تلك الأسر التي هاجرت طلبا للمعيشة إلى درجين، وسكنت في جوار أبي الخطاب، وكانت للأسرة فتاة مشرقة الجمال صبية، أديبة نشيطة وكانت زينب تنظر إليها، وتعجب بها وأحبتها، فخطبتها لبعلها الشيخ، وهي تدعو الله تعالى أن يرحم زوجها، فيهب له ولدا تقر به عينه ولبناتها أخا، يلجأن إليه إذا ضاقت بهن سبل الحياة، وتزوج الشيخ هذه الفتاة، ولكن إقامتهم بعد ذلك في درجين لم تطل، فقد بدا للدولة الصهناجية أن تقضي على هذه القوة الموجودة في درجين فجهزت جيشا كثيفا على حين غفلة، ولم يسمع أهل درجين" حتى وجدوا جيشا كثيفا يحيط بالقلعة من جميع الجهات، وطال الحصار، واضطر أهل القلعة إلى فتح الأبواب والحرب بما أمكن، يقول أبو العباس الشماخي: "فترل عسكر صنهاجة على قلعة، درجين فحاصرها حصارا شديدا فلما اشتد عليهم الحصار خرجوا عليه خروج رجل واحد يقاتلون فقتلوا عن آخرهم واستبيح ما في القلعة"، كان أبو الخطاب