الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٦٤

الأباضية في موكب التاريخ

562

الأباضية في تونس

غائبا عند وقوع هذه الأحداث، فما كان يخطر له أن الدولة التي يطلب منها الحماية هي التي تتولى العدوان، فلما عاد وجد أن القلعة قد استبيحت وأن أهله حفظهم بعض أهل المروءة ممَّن كان في الجيش، وسمع إخوانه بنكبة درجين فأسفوا أن ينحدر الظلم بأصحاب الحكم إلى هذا القرار وبعثوا وفدا منهم يطلب إلى أبي الخطاب الرحيل إلى آجلو، والإقامة فيه، فارتحل بأهله إلى آجلو، وهنالك ولدت زوجته الأخيرة مولودها البكر، وكان ذكرا، فلما بشروه بذلك قال لَهُم: "إن ولد الشيخ يتيم"، يعني، يعني أن الشيخ الهرم على حافة القبر، وأن أولاده في هذه السن هم كالأيتام لأنه مهما يطل عمر أبيهم فمدته قصيرة، ولابد أن يتركهم، وسَمَّى الولد سعيدا، ومن هذا الولد تناسلت ذرية أبي الخطاب عبد السلام بن منظور

يبدو أني أطلت الحديث عن حياة الشيخ الخاصة بما لم أتعود مثله في أحاديثي عن الأعلام

الذين ذكرتهم في هذا الكتاب، وقد ساقني إلى ذلك ترابط الأحداث وتناسقها. كان عبد السلام عالما غزير المادة، مستقلا برأيه، لا يقلد غيره إذا بدت له الحجة واتضح له البرهان، وكانت له آراء خاصة لم يقل بها غيره من الفقهاء فيما أعلم، مر يوما على أهل أمسنان فأخبروه أن رجلا منهم أقر على نفسه بالزنا، فأمرهم أن يحضروه، ولما اعترف الرجل على نفسه بارتكاب الفاحشة أمرهم أن يأخذوه إلى مزبلة، وأن يرجموه، وحضر وقت صلاة الظهر، وكان اليوم جمعة، فخطب فيهم، وصلى بهم صلاة الجمعة، ثُمَّ قال لهم: "إن الكتمان يأخذ من الظهور، وإن الظهور لا يأخذ من الكتمان".

وهذا يعني: أن الأمة المسلمة حين تكون ضعيفة مغلوبة على أمرها تنفذ ما تستطيع من أحكام الله، أما إذا كانت الدولة المسلمة قادرة على تنفيذ الأحكام، فإنَّها لا يجوز لها أن تتخلى عن تنفيذ أحكام الله وهي نظرة اجتهادية لم أعلمها لغيره من الفقهاء. وكان شديد الورع كثير الاحتياط، اشترى يوما عددا من الخرفان من رجل في السوق، فلما أراد دفع الثمن مد البائع يده وقال له: "أرا" "هات" لهجة بربرية خاصة

يعني

-وهي

بصنهاجة، فخشي الشيخ أن يكون الرجل من صنهاجة، وصنهاجة في ذلك الحين لا تتورع