الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٦٦الأباضية في موكب التاريخ
564
الأباضية في تون
كانت غنمه منتشرة في سهل أخضر تنتقي العشب وتقطف منه الطري الشهي، وقد بدا عليها أثر حسن الرعاية ووضح السمن وهو يسوقها تارة ويتقدمها أخرى، مغتبطا مسرورا مر به شيخ من شيوخ لماية، فسلم عليه، وحدثه مليا، ثُمَّ أشار إلى الغنم وقال لأبي محمد: "نعم الغنم ترعاها لحية"، وسر أبو مُحمَّد بهذا الإطراء، ولكن الشيخ الوقور لم يقف عند هذا الحد، فأردف يقول: "و بئست اللحية التي ترعى الغنم، وذهب الشيخ لكن الكلمة الحكيمة التي لقاها في أذنه بقيت مجلجلة تدوي في أعماقه وشغل ذهنه، وفكر فيها تفكير الرجل الحريص على سعادته في مستقبله، وتحقق أن اللحية التي تقضي عمرها ترعى الغنم لا تزيد أن تكون شاة من الغنم، ولذلك فقد قرر أن يغير مجرى حياته، حتى بعد أن اجتاز مرحلة الطفولة والشباب ودخل مرحلة الكهولة، فإن تقدمه في العمر لم يقف حاجزا دون الأمل الذي انبثق في قلبه وعاد بالغنم إلى الحي بعد هون من الليل، في الصباح أخبر أهل الحي بما صمم عليه، لقد ترك الغنم لمن يريد أن يرعى الغنم كانت جربة أقرب مكان علمي إليه، وكانت حينئذ تغص بالعلماء الأعلام، مثل ما كان جبل نفوسة، وكانت المدارس منتشرة فيها، دائبة الحركة في التربية والتعليم، وكانت المساجد في كل ناحية من نواحيها عامرة بالمصلين وبحلق الدروس المتعاقبة، وبالوعظ والإرشاد، فاختار أبو عبد الله هذه الجزيرة لتكون محل دراسته، وسافر إليها، واستقر بها، وكان يعمل عمل التلميذ الجاد الراغب القوي العزيمة، فكان لا يقتصر على مدرسة، ولا يختص بمدرس، ولكنه كان يطلب العلم من معادنه جميعا، فكان يحضر مجالس أبي صالح، و مجالس أبي مسور، ومجالس أبي موسى فيلتقط ما ينثره أولئك الأعلام من علم وحكمة، ومكث على هذه الحال زمنا حتى ظن أنه أبعد الجهل عن نفسه، وبلغ في العلم مبلغا، فرجع إلى قبيلته الضاربة في شعاب البادية واستقبله الناس بالترحاب وفرحوا بمقدمه أيما فرح، فقد أصبح حيهم يأوي عالما، وجاء الشيخ اللمائي إلى الحي وسلم على أبي وناقشه في مسائل من العلم وعرف أن أبا مُحمَّد لم يبلغ الدرجة التي يؤملها له، ولذلك فقد
محمد
محمد،
قال له وهو يودعه: "إن جميع الإبل تبرك لحمل الأثقال ولكن التفاضل بينها إنَّما يكون