الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٦٧

الأباضية في موكب التاريخ

الأباضية في تونس

بإيصال الأحمال إلى الغاية .. " وذهب الشيخ، وبقي أبو محمد يفكر في الموضوع، إنه قضى وقتا صالحا في الدراسة، وتحصل على مبلغ من العلم ولكن هل يكفيه هذا المبلغ؟ إنه لا يزال في حاجة إلى المزيد، وقرر أن يعود إلى الجزيرة العامرة بالعلم والصلاح، وعاد واستمر في دراسته زمنا حسبه كافيا لإدراك الغاية، فرجع أيضا إلى حيه ذلك الحي الذي يقتعد رأس شعبة خصبة تسرح فيها الأنعام وفرح القوم به كما فرحوا أول مرة، واجتمعوا لتحيته، ولسماع الحكمة منه، وحضر الشيخ فيمن حضر من الناس، واستمع إلى درس أبي مُحمَّد، ثُمَّ ناقشه في أصول وفروع من العلم، فلم يطمئن له، ولذاكرته، ولذلك قال له وهو يودعه: "إن جميع الغدران تُمسك بالماء، ولكن التفاضل في طول البقاء"، واستجاب أبو محمد لنصيحة الرجل للمرة الثالثة وذهب إلى جربة وبقي فيها حتى اعترف له العلماء، وحتى بلغ درجة الاجتهاد، وحتى اختير عضوا في جمعية العلماء التي ألفت الموسوعة العلمية المعروفة بالديوان، في خمسة وعشرين جزءا، وتعتبر من أهم المصادر الفقهية والتشريعية الإسلامية، ولو لم يؤلف علماء الإباضية غيرها لأغنت.

كان

رحمه

صحيح

لدين

الله

نير البصيرة، قويا في الحق، مخلصا النصيحة لله وللمسلمين، ذا فهم الله، وللمقاصد التشريعية في الإسلام، مجتهدا في العبادة، يحمل نفسه على

العزيمة والعمل الشاق شديد الاحتياط في الطهارة، حتى أنه لما كان بالبادية اتخذ خيمة خاصة بالاستحمام، وكان له في كل جهة من جهاتها مستحم حتى يتقي الريح، ولما كبر أصيب بمرض في عينيه، يضره استعمال الماء، فكان يغتسل ويتوضأ لجميع أعضائه ما عدا وجهه، فإنه يتيمم له، فقيل له: "يكفيك التيمم"، فقال: "تلك مسألة العاجز"، وكأنه كان ينظر إلى قوله: (إِذَا أَمَرْتُكُم بِأَمْرِ فَأْتُوا مِنهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»)، فقد استطاع الشيخ في تلك الحالات أن يغسل جَمِيع بدنه ما عدا الوجه، وأن يتوضأ لجميع أعضائه ما عدا الوجه، فاستجاب لأمر الشريعة، أما العضو الذي لم يستطع أن يغسله فقد تيمم له حتى

يخرج من الخلاف.

1) الحديث أخرجه البخاري ((6858) ومسلم ((1337)، بلفظه من حديث طويل عن أبي هريرة. (المراجع)