الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٦٨

الأباضية في موكب التاريخ

566

الأباضية في تونس

تذاكر مع أبي عمران موسى بن زكرياء أحد زملائه في تأليف الديوان ما ابتلي به الناس في ذلك الحين من ضيق الأمور، وكثرة الريب، وما يدخل على الناس من ذلك مما يعلمون ومِمَّا لا يعلمون من الشبه والريبة، قال أبو عمران: "إنَّما نعيش اليوم بحمل الأشياء على أحسن وجوهها، قال أبو مُحمَّد: "إِنَّمَا يصح ذلك في أحوال الطهارات، أما في الأموال فلا"، فاستحسن أبو عمران هذا الجواب من أبي محمد ووافقه عليه.

ضرب

سئل يوما ما العبادة؟ فقال: "العبادة هي النية والإخلاص لا ما يتخيله الناس من كثرة العمل والاجتهاد، إلا اذا صحب ذلك النية والإخلاص، فإن الكثرة حينئذ تكون أفضل"، ثُمَّ ضر للسائل مثلا، فقال: "ألا ترى أن ولدي داود يقيم الفتنة وهو يحفظ ما بين دفتي المصحف؟ ". ويعلق أبو العباس على هذا فيقول: " وأكثر" قصده في ذلك ما يقذع به ابنه عما هو ليس بسببه، وكان ينهى عن معاضدة داود ومساعدته خوفا أن يصيبهم ما أصابه، فلم يزل متكدر النفس من أجله لسلوكه عن طريقة أبيه، حتى عادت عليه بركة الشيخ، فألهمه الله الرشد، وتاب عما كان عليه وحسنت توبته".

كان ماكسن بن الخير شابا قوي الذاكرة حاد الذكاء، راغبا في العلم، فمر وهو في طريقه إلى جربة للدراسة بأبي مُحمَّد فرأى أن يسأله النصيحة في موضوع الدراسة فقال له: "إنني مبتدئ في الدراسة، فبأي مادة ابتدئ؛ أبعلم الكلام أم بعلم الفقه؟ ". فقال أبو محمد وقد توسم في الفتى الذكاء والرغبة: أدرس الجميع"، فقال ماكسن: "فإن قصر فهمي؟ "، فقال أبو محمد: "فدينك علم الفقه".

زاره عبود بن منار المزاتي فرحب به، وقال له: "يا عبود إنك عظيم القدر عندي، فما حالك؟ " وكان عبود متوسط الحال، صاحب أنعام وحبوب، فأجاب عبود: "إنني بخير ولكن ركبتني ديون"، فغضب أبو مُحمَّد وقال له: أعليك الدين وتزورني؟ ابتعد عني"، وهذا الغضب من أبي محمد في محله، فإن الديون التي ركبت عبودا لم تدفع إليها ضرورة، كما أن في استطاعة عبود أن يتخلص منها، وخرج عبود محرجا إلى أهله ودعا إليه صديقه الحميم علي بن يخلف، وقص عليه القصة، ثُمَّ قال له: بادرني يا علي بمن يُخلصني من هذا الدين"، واهتم علي