الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٧١

الأباضية في موكب التاريخ

الأباضية في تونس

ولقد استطاع المسلم العامل بالإسلام أن يؤثر على ذلك الملك، فأسلم الملك، وأسلمت الحاشية، وبدأ الإسلام ينتشر ويسري في عاصمة "مالي"، ثُمَّ فيما جاورها من مدن وبلاد .. إنه الداعية الْمُؤمِن الذي حمل بمفرده مشعل الإسلام إلى بلاد تعششت فيها الوثنية، فاستضاءت بذلك المشعل، واقتبست من ذلك النور، وإليه وإلى أمثاله من الرواد الأول يرجع الفضل في انتشار الإسلام في ربوع إفريقيا السوداء.

أحدا

ولقد كان أبو الحسن يشبه أباه في دينه وخلقه وعلمه ورحابة صدره، وسعة احتماله، كان القاضي عمر بن زرعة النفطي يقول: "ما رأيت مثل علي بن يخلف أحدا من الناس، فمن عجيب ما رأيت منه أبا القاسم القمودي كان من المشايخ المتوصفين، قدم من "توزر" ومعه طلبته، فأكرمه طلبة "نفطة" وصوفيتهم، فاحتفلت في إكرامه، وقلت: "لا ينبغي أن يتغيب أبو الحسن عن مثل هذا الحضور، فأحضرته وقد حضروا، فلما حضر قال ابن القمودي: "من هذا الجالس معنا؟ " قلت: "إنه الفقيه أبو الحسن علي بن العزابي" فقال: "أهو من بغضة علي؟ "، فلما قال ذلك رأيت ظلمة حالت بيني وبينه وندمت على الاشتغال بإكرامه، وإذ فعلت، فلم جنيت على نفسي وعلى صاحبي؟ وما كان أغناني أنا وصاحبي عن هذا الحضور. فلما سمع علي منه ذلك قال: "من أنبأك هذا يا شيخ؟ قال: "كذا يذكرون عنكم"، فقال: هل رأيت ابنه باسم "عدوه؟ قال: "لا! " قال: "كان أبي من فقهاء الإباضية، وقد سماني عليا"، قال: ثُمَّ أخذ معه أخذ معه في مذاكرة تشفي الصدر حتى استمال قلبه، وملك لبه، فجعلت تلك الظلمة تنجلي حتى صرت في ابتهاج عظيم، ولم يفترقا حتى قال له: "يا أبا الحسن أريد أن لا تفارقني مدة إقامتي بهذا البلد، وانفصل ابن القمودي يحمده ويحمد مذهبه". إن هذه القصة القصة التي ذكرها أكثر المؤرخين عن سبب دخول الإسلام إلى إفريقيا الوسطى تدلان دلالة واضحة أن الإسلام قد هذب من أخلاق هذا الرجل، وجعل منه إنسانا تتمثل فيه أسمى صفات الإنسانية، التي تدعو إليها الأديان السماوية، حتى أصبح مثلا حيا للمؤمن الذي يهدي بخلقه وسلوكه قبل أن يهدي بمقاله وبيانه، ولو لم يكن الرجل متصفا بما أوصى الإسلام فتجلت فيه الثقة والأمانة، وحسن المعاملة، والصدق فيها، حينما كان في "مالي"، وتحلى بالصبر على الأذى وضبط النفس والتحمل حينما قابله ابن القمودي بتلك الفظاظة

يسمي