الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٧٢

الأباضية في موكب التاريخ

570

الأباضية في تونس

لانقلبت صفحات من التاريخ لو غضب بلمزة ابن القمودي وعامله بنفس الأسلوب من الخشونة، والازدراء لانقطعت الصلة بين الرجلين، وربَّما نشأت عن ذلك فتنة، ولعل أكثر الفتن التي وقعت وتقع بين طوائف المُسلِمِين إِنَّمَا سببها طيش بعض المنتسبين إلى العلم، وعدم فهمهم لروح الإسلام، وتغلب الغرور والطيش وضيق الصدر عليهم، وتحكم العصبية المذهبية فيهم. وكما أنجب يخلف ولده عليا، قد أنجب علما من أعلام الإسلام، هو أبو الربيع سليمان بن علي بن يخلف كان سليمان شاعرا مطبوعا يجيد الزجل أو الشعر باللغة الدارجة، كما يجيد الشعر باللغة البربرية، إلا أن شعره باللغة الفصحى لا يتسامي إلى درجة شعر ولده سعيد، أو حفيده أحمد، ذلك أن دراسته للغة العربية لم تطل، فقد انقطع للعلوم الشرعية، وتخصص فيها، فكانت لا تشذ عليه مسائل من مسائل الفروع والأصول في المذهب الإباضي، وكان يتقن الفرائض، ويجيد حسبتها، هذه مرتبته العلمية، أما مرتبته الدينية والخلقية فهي مرتبة المُؤمِنين الحريصين على إيمانهم وأخلاقهم.

وكان إلى علمه وخلقه ونزاهته كريما مطبوعا على الكرم، فلم يبق من ماله الكثير غير شيء قليل، وكان بعض الأصدقاء ينصحونه بأن يبقي لأولاده، فكان يقول لهم: "أما أولياء منهم فإن الله لا يتخلى عنهم، وأما العصاة فأنا أحق بمالي"، ولما كبر قل ماله،

الله

المهر

وضاقت ذات يده فجاءه صديقه الحميم بياضة بن عزون فقال له: "يا شيخ إن مالك قد قل، ومؤنتك قد كثرت فهل لك في خمسين ويبة تمرا أو مائة من عندي في كل عام تستعين بها على أضيافك، وأضياف المسجد، وضعفاء أهل الدعوة"، فقال له: "لا والله، إن لكفاية، أؤدي منها حقوق من ذكرت، ولو على عسر، ولكن إن كنت فاعلا فقم

فيما بقي

بحقوقهم كما قام بها غيرك، تول ذلك بنفسك ومالك". كان أبو الربيع سليمان يعيش في زمن مضطرب بالفتنة مشحون بالعصبية، قد انفلت زمام الناس، وبعدوا عن جادة، الإيمان وفي أواخر أيامه أوقد بعض دعاة العصبية نار الفتنة في "كنومة"، وتألب سكانها على الإباضية فأخرجوهم منها، وألحق الشيخ بإخوانه، فلما رآه المتعصبين من النكار صاح: "إذا تركتم فقيه القوم يخرج سالما فما فعلتم شيئا"،

بعض