الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٧٣الأباضية في موكب التاريخ
571
الأباضية في تونس
وتواثب إليه الناس، فطعنه أحدهم طعنة ظنها قاتلة، ولما ذهب المعتدون تولى أصهار الشيخ إسعافه وعلاجه، فأطال الله عمره، وأبقاه لحمل رسالة الإسلام والإصلاح. لقد كانت البلاد في ذلك الحين تعاني من الظلم وفساد الحكم وانتشار الفتنة واصطراع العصبية، وتغلب الفساد الشيء الكثير، وكانت الدولة في ذلك الحين تفرض على سكان منطقة الجريد وما يتبعها من الواحات أن يزرعوا أراضيهم، ويقوموا بخدمة مزارعهم وحقولهم مناصفة، فتأخذ نصف الإنتاج من جميع غلل الزراعة كالحبوب والتمر، ثُمَّ تلزم الناس أن يدفعوا الضريبة من أنصبتهم، ومقدارها العشر، ثُمَّ يخرج المتقون منهم من أنصبتهم فريضة الزكاة، فلا يبقى لهم إلا مقدار الثلث من نتائج مجهوداتهم، فكان أبو الربيع يجيز للناس ولنفسه أن يخفوا ما استطاعوا من أموالهم، حتى لا تأخذ الدولة نصفه كأنها صاحبة الأرض، والعشر ضريبة على الفلاح، ويقول: إن الدولة ليس لها أن تأخذ إلا ما قرره الشرع الكريم، أما أن تسن من نفسها تشريعا تستبيح أموال الناس، وتغتصب حقوقهم، فذلك ليس من حقها، فإذا تغلبت هي بالقوة فإن للمزارع أن يسلك معها بالحيلة، وأن يحفظ أمواله بأي طريقة لا تعرضه للعقوبة والمهانة.
به
حدثتك أيها القارئ الكريم عن ثلاثة أعلام من هذه الأسرة الكريمة، ولقد أنجب أبو الربيع ولدا سار في نفس النهج، وسلك نفس الطريق، سماه أبوه سعيدا، وكان سعيد هذا مع إيمانه وعلمه وعمله، شاعرا مجيدا.
وأنجب أبو عثمان سعيد بن سليمان بن علي بن يخلف ولدا، كان غرة في جبين الدهر من أولئك الأبطال، الذين لا يجود بهم الزمان إلا في فترات طويلة من التاريخ، ذلك هو
أبو العباس أحمد بن سعيد بن سليمان بن علي بن يخلف الدرجيني صاحب «الطبقات». ويكفي دليلا وبرهانا على علم الرجل وأخلاقه ودينه واحترامه لحملة مشعل الهداية: ما ورد في أول الكتاب عندما تحدث عن الطبقة الأولى، فإليك ما قال عندما ذكر محتويات الكتاب: "فالذين اشتملت عليهم الخمسون الأولى من المائة الأولى: هم المائة الأولى: هم أصحاب رسول الله وفضائلهم أشهر ومزاياهم أظهر، فلا يحتاج إلى تعدادهم، إذ هم نجوم الهدى، مصابيح الدجى، وعلى مكانتهم ومتزلتهم وفضلهم فلابد من تقديم ذكرهم جملة، إذ هم