الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٧٥الأباضية في موكب التاريخ
573
الأباضية في تونس
وهب مع
الحافظة الواعية التي لا تكاد تنسى فكرا نفاذا إلى حقائق الأشياء، وبصيرة نيرة خبيرة بمواقع الأحكام كان عالما بالأصول والفقه، درس كل ما وصلت إليه يده، حتى بز جميع الأقران، وفاقهم، فلما نضجت مواهبه واستقرت معارفه تصدى للتدريس والفتوى، فتخرج على يده كثير من أعلام الإسلام. بدأ دراسته على مشايخ عصره، ثُمَّ التحق بمدرسة الإمام الأعظم أبي عبد الله مُحمَّد بكر الفرسطائي وعنه أخذ العلم والسيرة. لقد قضى أبو الربيع أيام الصبا والشباب في الدراسة، ثُمَّ عكف على التدريس والتأليف، إنها الأمانة العلمية التي تحملها أسلافه أعد نفسه لحملها، فحملها بجدارة واستحقاق، ولم يتخل عنها لحظة واحدة في حياته، وكما كون جيلا من أنجب الطلاب، وأوضح معالم الإسلام للضالين والجاهلين بالدعوة إلى دين الله وبيان حدوده في دروس الوعظ والإرشاد، ترك لنا مؤلفات قيمة؛ منها المتحف في الأصول، والسيرة المنسوبة إليه، وهي دستور قيم للعالم المتعلم، يجدر بالشباب المسلم المتعلم أن يحفظها وأن يعمل بها.
الله"،
كان مستقلا برأيه، مجتهدا في أحكامه، قد يفتي بالقول المرجوح، ويعمل برأي الأقلية، ويبدو أنه في فتاواه وأحكامه لا يقتصر على بحث الآراء والأدلة التي تستند عليها، وَإِنَّمَا يضيف إلى ذلك ظروف البيئة، ودراسته الشخصية للموضوع، ومعرفته لما يحيط بالحادثة. لما مرض أستاذه الأكبر أبو عبد الله محمد بن بكر مرض الوفاة، قال لجماعة ممن حضر: اشهدوا أن البستان الفلاني الذي على العيون هو لأبي يوسف، وهو أكبر أبناء أبي عبد فسمعت امرأته بذلك، فظنت أن ذلك بسبب الوجع أو السهو، فقالت تنبهه: ما هذا يا شيخ؟ فكرر الشيخ الإشهاد على نفسه بما قال، وأكد للقوم قوله الأول، ولم يرجع عنه، وأجاب امرأته قائلا: "إني اعتقدت له أكثر من ذلك، وعلمي ورأيي لا أرجع عنهم إلى علمك ورأيك، وكان ولده أبو العباس أحمد حينئذ عند أبي الربيع سليمان بن يخلف في نظام الدراسة، فبلغ وفاة أبيه، وقد بقيت بيده بقية من نفقة فأمسك عنها؛ لأنه رأى أن ذلك قد أصبح مالا للورثة،
•