الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٧٦

الأباضية في موكب التاريخ

574

الأباضية في تونس

لهم

وهذا

فقال له أبو الربيع: أمسك ما بيدك، وأنفق منه ولا حرج عليك، فإن أباك لا تلزمه العدالة بينكما، ثُمَّ ذهب إلى موطن الشيخ أبي عبد الله، وأنفذ وصيته كما أوصى بها، مع أن أكثر الفقهاء يوجبون العدالة بين الأولاد، ولا يجيزون إنفاذ العطية إذا وقعت في مرض الموت، ولا شك أن في المسألتين خلافا بين علماء الإسلام، ولكن الراجح المعمول به عند الإباضية هو وجوب العدالة بين الأولاد، وعدم إنفاذ العطية الواقعة في مرض الموت. وفتوى أبي الربيع بغير المشهور من أقوال المذهب في ذلك، يدل دلالة واضحة على استقلال رأيه، واجتهاده من جهة، ثُمَّ استناده على معرفة أحوال الناس الذين يقع المشاكل والأحداث، ودراسته لظروف تلك الأحداث من جهة أخرى. ويبدو لي أن الذي يسر لأبي الربيع أن يفتي هذه الفتوى إنَّما هو معرفته الكاملة لأسرة أستاذه أبي عبد الله، وللمجهود الجبار المتواصل الذي بذله أبو يوسف يعقوب في تكوين هذه الأسرة، وتهيئة ظروف الحياة الكريمة لها، حتى كأنه شريك، أو أخ لأبي عبد الله، ما لاحظه أبو عبد الله، فهو يعلم أن ما يعود عليه من أملاك إنَّمَا كان لكفاح أبي يوسف، فرأى أن يعوضه عن ذلك المجهود بهذه العطية. وعلى هذه المعرفة الشخصية والدراسة النفسية استند أبو الربيع في إصدار هذه الفتوى، ولقد تحدث أبو العباس الدرجيني عن هذا الموضوع فقال: "قلت أما فعل أبي عبد بن بكر الله فلا ينفذ لوجوه منها أولا أنه عطية في المرض الذي توفي فيه، فلا يجوز إلا بإجازة الورثة. ثانيا: أنه لم يذكر التسليم والحوز وذلك شرط عند جميع أهل العلم إلا الشاذ. ثالثا: إنه لم يعدل فيما دل عليه اللفظ والعدل بين البنين واجب على الأب في قول جماعة من أهل العلم، وإليه مال أكثر أصحابنا فيما علمت لكن الشيخ أبا الربيع رجح قول من قال لا تجب العدالة على الأب وأقول والله أعلم -: إن ذلك إنما جاز لإجازتهم إياه، إبرارا بالشيخ رحمه الله " انتهى قول أبي العباس ويرد على تعليله الأخير بأن الورثة ربما أجازوا ذلك ما ورد في أول القصة بأن امرأته نبهته حاسبة أن ما قاله إنما كان من

الله محمد