الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٧٧الأباضية في موكب التاريخ
الأباضية في تونس
الوجع، فأصر أبو عبد الله على موقفه، وأعلن أنه لن يرجع عن رأيه وعلمه إلى رأيها وعلمها، مع العلم أنها وارثة.
بِهَذه
الزمالة
مهما يكن فإن ترجيحه للقول المرجوح، وفتواه بغير المعمول به دليل على ملكة الاجتهاد والاستقلال في الرأي، وملاحظة جميع الظروف المحيطة بالقضية عند تطبيق الأحكام، وشبيه الحادثة ما جاء في القصة الآتية: كان بين مجموع الطلبة الذين يدرسون عند أبي الربيع تلميذان ذكيان، تربط بينهما عرى والصداقة، والمحبة وكانا يقضيان وقتهما في مذاكرة ودراسة، حتى إذا أحسا بالتعب والملل خففا عن نفسيهما بالنكتة الضاحكة، والدعابة البريئة، والهزل الخفيف، ووضع الزميلان كتب الدراسة إلى جانبهما، وحلق بهما الخيال في مسارح آمال الشباب، فتحدثا عن العزوبة والزواج، والتفت أحدهما إلى الآخر متصنعا وقار الجد، وقال له: "إني أرغب إليك يا صديقي في أختك فلانة بنت الحسب والنسب، وجئتك راغبا في زواجها فهل توافق على ذلك؟ " وتصنع الزميل الثاني وقار ولي الأمر الذي يفكر في مستقبل أخته، وينظر إلى مصلحتها، ثُمَّ رفع رأسه وقال: "قد قبلت فبارك الله لكما"، وضحكا الفتيان ورجعا إلى كتبهما للمذاكرة، ولكن شيئا بدأ يهجس في نفس الفتى الخاطب، ألا يكون قد ارتكب بدعابته هذه حماقة، وأصبح الزواج منعقدا، وأصبحت فلانة هذه امرأته، ويكون مسئولا أمام الله والناس عن زوجة لا تدري عنه شيئا، وعندما افترقا بقي الشاب يردد الفكرة على ذهنه، فلا تزداد إلا رسوخا وثباتا، وفزع بمشكلته إلى زملائه الذين يكبرونه سنا وعلما يلتمس عندهم الحل، فكان كلما عرضها على واحد منهم أجابه بأن «ثَلَاثَةٌ جَدُّهُنَّ جِدٌ وَهَزَلُهُنَّ جد: النكاح والطلاق، وَالْعِتَاق» (1)، فالنكاح قد انعقد بينه وبين الفتاة، وأصبحت زوجة له بحكم الشرع، ويضيفون إلى ذلك ما يشاءون من نكت ودعابات، واهتم الفتى واحتار، وفي درس من الدروس لاحظ الشيخ أبو الربيع سهو تلميذه النجيب، وشرود فكره، فعلم أن
(1) الحديث أخرجه الحاكم (ر 2800) والترمذي (ر 1184) وغيرهما عن أبي هريرة بلفظ: « … والرجعة». (المراجع)