الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٧٨الأباضية في موكب التاريخ
i
576
الأباضية في تونس
شيئا أصابه فلم يخطه بالسؤال، وإنما سأل عنه بعض زملائه، فأخبروه بالقصة، فقال الشيخ: "قولوا له فليقم، وليشتغل بالقراءة فإنه لم ينعقد نكاح، ولا يلزمه شيء ولو أجازته". هذه حادثة أخرى من الحوادث التي تدل على مبلغ علم الرجل واجتهاده في ذلك العصر، ولقد ناقش الشيخ أبو العباس الدرجيني هذه القصة أيضا فقال: "قلت: وهذه المسألة لها وجوه تقيد بها، وليست مطلقة، وذلك أن أخا المرأة لا يخلو أن يكون وكيلا مع كونه وليا، أو لا يكون وكيلا، فإن كان وكيلا فالنكاح قد أنعقد بلا خلاف، وإن كان النكاح فضولا بغير توكيل ثُمَّ أجازته فالأولى جوازه، وقيل: يكون موقوفا على قبولها أو امتناعها، ولعل أبا الربيع -رحمه الله - عرف في هذه القضية بعينها ما أوجب امتناعها، كتراكن وقع خاطب، أو عقد تقدم من ولي آخر، والله أعلم"، انتهى كلام أبي العباس. هذه القصة تؤيد ما أشرت إليه سابقا من استقلال أبي الربيع في رأيه واجتهاده في استخراج الأحكام، واعتماده في إصدار الفتوى على قرائن الأحوال، وعلى الدراسة الشخصية لظروف الحادثة. كان أبو الربيع يتحلى بأسمى أخلاق الْمُؤمِنين من اللين والحلم والتواضع والكرم والعفة ومحبة المُسلمين، والنصح لَهُم.
متقدما
أراد جماعة من طلابه أن يعودوا إلى بلدانهم، فسار معهم مسافة طويلة لوداعهم، وكان يتحدث إليهم، ويوصيهم في آخر مرحلتهم الدراسية، وممَّا قال لهم وهو يسير معهم: امضوا بالسلام، فإذا وصلتم منازلكم إن شاء الله، فإياكم والدنيا أن تستقبلوها بوجوهكم، فإن من استقبلها أغرقته ومن استدبرها فلابد أن تأخذ منه، وعليكم بالألفة، والنصيحة، والتزوار، وحفظ مجالس الذكر، وإياكم وأمور الناس وإياكم التقصير فيمن يرد عليكم من أهل دعوتكم والسلام، وحينما عزم جماعة من الطلاب على الرجوع إلى أوطانهم معتقدين أنهم أخذوا ما فيه الكفاية من مبادئ العلم، وأنهم يستطيعون أن يستمروا في دراستهم معتمدين على الكتب لم يرض لَهُم، وأوصى العلامة أبا يحيى زكرياء بن أبي بكر أن يقول لهم: "اعلموا أنكم إن رجعتم على هذا الحال إلى أهلكم فأنتم كمن ترك الإسلام عمدا"، وليس أعنف من هذه العبارة توبيخا على من يرضى بالأقل؟، أو يتملكه الغرور فيحسب أنه قد ملك من الوسائل ما يصل به الغاية، ولا أشد تحريضا على طلب الكمال.