الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٨ـاضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباضي
قضية الخلافة
عندما كان كبار العلماء من التابعين يعقدون مجالس العلم، يفسرون كتاب الله، ويروون للناس ما حفظوا عن رسول الله له من قول وعمل، ويفتون للناس فيما يعرض لهم من مشاكل كانت قضية الخلافة قد أخذت حظها من النقاش واستقر فيها الناس على آراء معينة، حسب أدلتهم التي يقتنعون بها، وأصولهم التي يستندون إليها.
وكان جابر بن زيد الأزدي أحد هؤلاء العلماء اتخذ البصرة مقراً له، ينشر فيها العلـ ويوالي التدريس والتأليف ويهتم بشؤون المسلمين، وكانت قضية الخلافة من القضايا التي مرت عليه، ودرسها دراسة مستفيضة عميقة، وانتهى فيها إلى رأي ثابت مبني على روح العدالة في الإسلام ومستمد من القرآن الكريم، ومستند على سيرة السلف من أصحاب النبي
عليه الصلاة والسلام-.
كان
يري
أن الخلافة أهم مرافق الدولة، وأعظم مظهر للأمة، وأقوى سلطة تشرف على تنفيذ أوامر الله، وتطبيق أحكام الكتاب الكريم، وهي بهذا الوصف لا يمكن أن تخضع لنظام وراثي ولا أن ترتبط بجنس أو قبيلة أو أسرة أو لون، وَإِنَّمَا يجب أن يشترط فيها الكفاءة المطلقة الكفاءة الدينية والكفاية الخلقية والكفاءة العملية، والكفاءة العقلية، فإذا تساوت هذه الكفاءات في مجموعة من الناس أمكن أن تجعل الهاشمية أو القرشية أو العروبة من أسباب المفاضلة، أو من وسائل الترجيح، أما في غير ذلك فليس لها حساب.
وقد عرف الناس هذا الرأي لجابر بن زيد، كما عرفوه لكثير من العلماء المعاصرين له ولكثير من أصحاب رسول الله. وكان طلابه ينشرون ذلك عنه، ويتحدثون به، وفي هذه النقطة يلتقي رأي الإباضية برأي الخوارج، ومن هنا زلق بعض المؤرخين، فحسبوا أن الإباضية
فرقة من فرق الخوارج دون أن يجهدوا أنفسهم في الاطلاع على بقية الأصول والآراء. وقد سبق أن قلت في موضع من الفصول السابقة، أن توافق فرقتين على رأي معين لا يجعلهما فرقة واحدة، ولعل قضية الخلافة هي أهم قضية يلتقي فيها الإباضية والخوارج