الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٩الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباضي
على رأي واحد، وفيما عدا ذلك فالإباضية أبعد الناس عن الخوارج في فهمهم للإسلام، وعملهم بأحكامه.
على أنني أعتقد أن الأمة الإسلامية - بعد التجارب الطويلة المريرة، وبعد أن ابتعد بها التاريخ عن المؤثرات الخاصة التي سيرتها في اتجاه معين لا يسعها إلا أن ترى رأى الإباضية في قضية الخلافة، وأن علماء الإسلام لا يمكن أن يرجحوا غير هذا الرأي، وإذا قدر للأمة الإسلامية أن تجتمع، وأن ترجع إلى حكم الله، وأن تلغي هذه الشرائع التي جاء بها الاستعمار لإبعاد هذه الأمة الإسلامية عن كتاب الله، وقدر للخلافة الإسلامية أن تتولى شؤون المسلمين كما أمر الله. لو قدر ذلك وكان للأمة أن تختار رئيس الدولة الذي تلقي بين يديه بمقدرات الأمة، ما وسعها إلا أن ترجع إلى قواعد هذا المذهب، لتختار الخليفة أو رئيس الدولة، حسب الشروط السابقة التي أشرنا إلى بعضها، وكما أقامت للهاشمية أو القرشية أو العروبة أي وزن، اللهم إلا في مقام الترجيح عندما تتساوى المواهب والكفاءات. ولن تتساوى المواهب والكفاءات في أما تشتمل على الملايين من مختلف الأفهام والعقول والأخلاق. وإنه ليسرني حقا أن أقتطف من الأستاذ مُحَمَّد الغزالي السطور الرائعة الآتية، لأختم بها هذا الفصل: "ونحن نتساءل فيم هذا الجدل كله؟ وما يضرنا أو يفيدنا من هذا النسب؟ وما ينقصنا أو يزيدنا من إفريقيا أو آسيا؟ وما فضل عبد شمس على توت عنخ آمون؟ أو تحتمس على عنترة؟ ولماذا لا يقال في إيجاز إن الزنجي المسلم خير من الهاشمي المنافق، وأن قضية شأن الإسلام والمسلمين، قبل أن تكون من شأن العرب والمستعمرين، وأن صاحب الرسالة العظمى قال: «لَيَنْتَهِينَّ أَقوَامٌ مِنَ الفَحْرِ بِآبَائِهِم الذِينَ مَاتُوا، إِنَّمَا هُم فَحمُ جَهَنَّمَ، لَيَكُونَنَّ أَهْوَنَ عَلَى الله مِنَ الْجعلان الذي يُدَهدِهُ الْخَرء بِأَنفِهِ، إِنَّ اللهَ تعالَى قَد أَذهَبَ عَنكُم عَيبَةَ (كبي الجاهلية، إِنَّمَا هو مُؤْمِنٌ تَقِيٍّ، أَو فَاجِرٌ شَقِيٌّ، الناسُ كُلُّهُم بَنُو
فلسطين من
آدَمَ وَآدَم خُلِقَ مِن تُراب» (1).
(1) أخرجه البيهقي في شعبه، عن أبي هريرة، رقم: 5126.