الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٥٨١المسجد
الأباضية في موكب التاريخ
579
الأباضية في تونس
العلم، هو العلامة سعيد بن سليمان بن علي بن يخلف، ففرح به الشيخ، وأمل أن يُحيي الله على يديه ما انطمس من معالم الحق، وكان الطالب الذكي لا يفارق مجلس الشيخ في المسجد أو في البيت فكان يحضر حلقة القرآن الكريم، وكان يرافق الشيخ ويخدمه، وكان الشيخ يؤثره إكراما لجده يخلف بن يخلف، فكان يمرنه على القراءة، ويحمله على مراجعة أخطائه، حتى يهتدي إلى تصحيحها بنفسه ويسرد له ما عسر عليه، ويرافقه في تلاوة القرآن الكريم، ويفسر له بإيجاز معاني الآيات، ويشرح له معاني المفردات اللغوية، إلى آخر ما هنالك مما يفعله المدرس النصوح مع التلميذ النجيب، الراغب في الاستفادة. قال أبو عثمان سعيد بن سليمان: دخلت حلقة درجين وأنا صبي قبل أن أكمل قراءة القرآن الكريم، فكان الشيخ ميمون سبب تمرني على قراءة الكتب؛ لأنه كان يكبرني إجلالا لوالدي، ويخصني بالفوائد، وذلك أنه متى خرج إلى المسجد أخرج معه كتابا، فإذا جاء دعاني، وقال لي: "اقرأ"، فآخذ الكتاب وأقرأ، فمتى توقفت في بعض ما يشكل علي، قال لي: "بين" ولا ترهب"، فإذا قرأت حرفا ما أصبت أم صحفت استحسن ذلك، وكان يقول لي بعد ما كف بصره: اقرأ علي سورة كذا أو كذا، وكان لا يخليني من كان شديدا في الأمر والنهي، حريصا على إقامة دين الله، فلما كبر وكف بصره خفف من حدته، ولان في أمره ونهيه وكان العلامة يخلف بن يخلف يتوسم فيه الخير والصلاح. فكان يخصه بالهدايا الطريفة، وكان يحض الناس على إكرامه والبر به، ويقول لهم: أكرموا ميمون بن أحمد، فقد اجتمعت فيه الخصال الثلاثة عزيز ذل، وغني افتقر، وعالم بين جهال"، لقد كان هذا العالم الذي حكمت عليه ظروف الحياة أن يعيش في درجين حين أدبرت أيامها وذهبت نضارتها، وأتى الظلم والجبروت على ما كان فيها من علم ودين وخلق مثلا يحتذى في وسائل التربية والتعليم، فلقد جرى على طريقة تعتبر من الطرق الحديثة في التربية والتعليم، وذلك أنه يعمل على أن يعتمد التلميذ على نفسه، بعد أن يستثير المدرس ذهنه، فيستنتج ويستخرج القواعد، ويُحاول أن يصل إلى أخطائه بنفسه، فيصححها دون أن يلقنه المدرس، وهو في طريقة تدريسه وتربيته يحترم شخصية الطالب، ويبذر فيه
فائدة".