الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٨٥

الأباضية في موكب التاريخ

583

الأباضية في تونس

الجهل بدين مع كفاحه للباطل في شتى هذه الصور وانشغاله بتوعية الرأي العام، كان

الله

قد ترك لنا ثروة قيمة من الآثار.

الله محمد

فقد ألف في الحدود الشرعية رسالة قيمة استجابة لطلب الشيخ أبي عبد أحمد بن الصدغياني، حدد فيها حقائق أكثر العلوم الشرعية، وبدأ في شرح الدعائم فأصدر منه الجزء الأول، وصل فيه إلى الطهارات، ثُمَّ جمعت مسودة الباقي من بعده، فبلغت إلى الزكاة ولم يتم الكتاب، وشرح كتاب "العدل والإنصاف" للإمام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم ولم يتمه، وألف كتاب "الجواهر المنتقاة فيما أخل به كتاب الطبقات"، وهو تصدير مطول، أو جزء أول لكتاب الطبقات لأبي العباس الدرجيني، أما الفتاوى والأجوبة فقد ترك منها الشيء الكثير، وقد رأيت منها جملة تدل على أن الرجل بلغ من العلم درجة تجاوزت مرتبة التقليد إلى الاجتهاد، وخولت له الاستقلال بالرأي في الفتوى وهو في رسائله قوي صريح صراحة تبلغ الشدة والعنف في بعض الأحيان لا يبالي في الحق لومة لائم، والذي يبدو من دراسة التاريخ أن الفترة التي كان فيها أبو الفضل كانت من أحرج الفترات التي مرت على جبل دمر والجنوب التونسي كله، فقد كانت العصبية المذهبية بلغت حدا كبيرا، وكانت الأيدي الحاكمة الهزيلة المتغطرسة التي ضعفت عن حكم الناس بالشرع أو بالقانون، فاستندت في حكمها على إيقاد نار الفتنة بين طوائف الأمة، وتوسيع شقة الخلاف بين الناس، وتسليط الذين لا يخشون الله ولا يتقونه على غيرهم، ومساعدتهم على العدوان ليتسنى لَهُم أن تجمع الأموال التي تطالب بها بكل الحاح وباستمرار، فأصبح الناس يعيشون في تلك المناطق منعزلين متعادين، كل قرية أو قبيلة أو مجموعة منها تعيش منفردة بنفسها، وأصبح كل ما يمت إلى الاتصال بالدولة دليلا على الظلم والفساد، ولعل مما يصور ذلك ما قاله البرادي وهو يتحدث عن الحلال والحرام والشبهة - قال: "ومن القرائن التي تدل على الشبهة والريبة، ويجب التوقف والبحث عندها، قرينة الإغارات والتلصص في بلادنا هذه العمائم الزرق، ومن قرائن الغشم والإغارات والانتهاب الرمح والقوس، ومن قرائن التسلط والقهر والعلو والسلطان الترفه والتفنن، والتباهي في الملابس